#dfp #adsense

نعيم قاسم شيخ “الفتنة”

حجم الخط

نعيم قاسم لم يُلقِ خطاب “دفاع عن لبنان”. ألقى خطاب تبرئةٍ مسبقة لقرار حزب إيران جرّ لبنان إلى الحرب، ثم حاول أن يفرض على اللبنانيين أن يسمّوه “قدرًا وطنيًا”. لبّ رسالته واضح: الصواريخ “ردّ” على الانتهاكات، ومن يسأل عن التوقيت يُلام لأنه لا “يصبر”. بهذه الحركة البسيطة حوّل السؤال الطبيعي إلى تهمة، وحوّل الاعتراض إلى “طعن في الظهر”، وصنع من الألم العام منصةً لإغلاق باب المحاسبة.

لكن كل البلاغة تنهار أمام الحقيقة التي قالها أو اعترف بها: الحزب ليس بمستوى إسرائيل… ومع ذلك قرر القتال. هذا ليس خطاب مقاومة؛ هذا إعلان مقامرة. من يعترف بعدم التكافؤ ثم يضغط على الزناد لا يواجه خصمه فقط، بل يقرر مسبقًا أن فاتورة الحرب ستُدفع من بيوت الناس وأرزاقهم وقرى الجنوب ومستقبل البلد. هنا يصبح الخطاب فعل جلاد: يقرر نيابة عن شعبٍ كامل ثم يطالب الضحايا بالتصفيق كي لا يُتهموا بالخيانة. لا توجد وقاحة سياسية أكبر من أن تعرف أن ميزان القوة ليس لك، ثم تجرّ وطنًا بأكمله إلى اختبار دم.

الأخطر أنه لم يكتفِ بتبرير الحرب، بل هاجم الدولة لأنها حاولت أن تكون دولة. عندما وصف قرارات الحكومة بأنها “أضعفت الحكومة وأعطت العدوان شرعية”، كان يرسل رسالة واحدة: السيادة جريمة، وحصر السلاح خيانة، وحق الدولة في احتكار قرار الحرب “فتنة”. هذا خطاب فتنة: تحويل الدولة إلى خصم، وتحويل الدستور إلى عبء، وتقسيم اللبنانيين إلى معسكرين، من يصفّق ومن “يطعن”. هذا خطاب تفكيكٍ وابتزاز، لا خطاب إنقاذ.

ثم تأتي الوقائع الرسمية لتسقط أوهام نعيم قاسم: الدولة اللبنانية، عبر مجلس الوزراء، أعلنت بوضوح رفضها المطلق لأي نشاط عسكري أو أمني خارج المؤسسات الشرعية، وأكدت أن قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة، واعتبرت إطلاق الصواريخ خروجًا عن مقررات الحكومة. من هذه اللحظة، لم يعد ما يقوله قاسم “وجهة نظر وطنية مختلفة”، بل ترويجًا لمسارٍ صنّفته الدولة نفسها خارج الشرعية.

الأهم أن المسألة لم تعد سجالًا سياسيًا يمكن تمييعه بالشعارات: حين تصدر السلطة التنفيذية قرارًا بحصرية السلاح والقرار، يصبح الإصرار العلني على خرقه أو تغطيته، تحديًا مباشرًا لمبدأ الشرعية وتمردًا سياسيًا على الدولة. هنا يسقط الإقناع ويبدأ الإكراه: فرض الحرب أولًا، ثم فرض الصمت باسم “الوحدة”، ثم محاولة شطب الدولة من المعادلة بدل الامتثال لها. وعندما تصبح مخالفة قرار الدولة موقفًا، نكون أمام انقلابٍ معلن لا أمام رأي.

أما حديثه عن “الانتهاكات” و”الخرق الدائم” فهو توظيف للأرقام كشيك على بياض: كأن الخرق يبرّر مصادرة الدولة، وكأن وجع الناس يمنح أي جهة امتياز فتح حرب ثم إقفال النقاش. الحقيقة أبسط وأقسى: الخروق لا تُثبت حاجة لبنان إلى مزيد من القرارات المتعددة، بل إلى دولة واحدة وجيش واحد وخطة واحدة وقرار واحد. ومن يحوّل الخرق إلى ذريعة ليبقى القرار خارج الدولة، يضمن استمرار الخرق إلى ما لا نهاية، ثم يعود ليبيعه للناس كحجةٍ إضافية.

لهذا لم يقنع خطابه خارج بيئته اللصيقة، بل حتى داخل أي بيئة حية هناك سؤال واحد يتضخم كلما اتسع الدمار: من يقرر؟ ما الهدف؟ أين السقف؟ من يتحمّل؟ حاول أن يدفن هذه الأسئلة تحت “أمانة” و”صفحة جديدة” و”لا تطعنوا”، لكنه كشف أكثر مما ستر: كشف أنه أسير منطق محورٍ أكبر من لبنان، وأن لبنان في هذه الرواية ليس وطنًا بل ساحة.

ومن هنا الخلاصة السيادية التي لا تحتاج زخرفة: نعيم قاسم قدّم تبريرًا لحربٍ بلا تفويض، وهاجم الدولة لأنها قالت إن قرار الحرب لها وحدها. هذه ليست “مقاومة” في معنى الدولة، بل انقلابٌ على الدولة باسمها. وإذا كانت الحكومة قد أعلنت أن أي نشاط عسكري خارج المؤسسات الشرعية مرفوض ومحظور، فواجبها التالي واضح: تطبيق القرار، وقف المنابر المحرِّضة على خرقه، وإحالة من يروّج لعمل غير شرعي إلى المساءلة وفق القانون. لأن البديل ليس “خلافًا سياسيًا”؛ البديل هو دولة تتنازل عن حقها في الحياة. وإذا تخلّت الدولة عن قرارها، فعلى البلد السلام.

إقرأ ايضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل