صحيفة النهار – علي حمادة
سقط النظام الإيراني في الفخ الأميركي – الإسرائيلي، فالهجوم الذي بدأه الحليفان ضد إيران السبت الماضي، وسارعت الأخيرة إلى توسيع نطاقه باستهداف جميع دول الجوار من دون استثناء، قد يكون خدم قضية واشنطن وتل أبيب، فضلاً عن الأطراف الذين كانوا يريدون هذه الحرب بشكل معلن أو مستتر.
لكن، وبعد مضي أيام عدة، قد يكون صبّ في غير مصلحة النظام الذي نجح في بضعة أيام بتجميع كل دول الجوار في ما يشبه بدايات تحالف عربي – دولي سوف يُبنى حول هدف واحد، مفاده أنه آن الأوان لإسقاط النظام الحالي الذي فقد البوصلة في العلاقات الدولية.
طبعاً، يمكن الرد على هذا الكلام بالقول إن النظام، وبعدما اغتيل رأسه أي المرشد علي خامنئي في الضربة الافتتاحية، أدرك أن الهدف النهائي للأميركيين والإسرائيليين لا يتعلق بتأديب النظام، أو بتقويض برنامجيه النووي والباليستي، ولا حتى إلحاقهما بتفكيك الفصائل التابعة له في العراق ولبنان واليمن. قد يكون فهم أن الهدف الأبعد يستوجب منه أن يتصرف من “خارج الصندوق”، فكان القرار توسيع نطاق الحرب وتوريط المنطقة بأسرها لرفع كلفة الحرب على النظام ومحاولة إسقاطه. من هنا، يمكن في مكان ما إيجاد تفسير فيه بعض المنطق، وليس كل المنطق، لما يحدث منذ أيام عدة في منطقة الخليج، ووصلا إلى قبرص واليونان وتركيا وأذربيجان وجورجيا، والحبل على الجرار!
لكن، بحسب تقديراتنا، نتج من سلوك طهران مع دول الجوار – ومعظمها، ولا سيما الخليجية، كانت تتوسط مع الولايات المتحدة لعدم انتهاج الحل العسكري ومارست ضغوطاً ديبلوماسية على واشنطن لحثها على تغيير مقاربتها للحل مع إيران – نتج ردة فعل عكسية، ليست في مصلحة طهران، في لحظة من أكثر اللحظات دقة في تاريخ النظام.
لعلنا لا نبالغ إن قلنا إن سلوك طهران العدواني مع دول الجوار، وإصرارها على المضي في استهدافها، قد يكون أدى في نهاية المطاف إلى نشوء تقاطع للمصالح مع الولايات المتحدة حول هدف الانتهاء من النظام في إيران، مهما كلف الأمر. ولن نُفاجأ إن اكتشفنا راهناً أو مستقبلاً أن قراراً مشتركاً تبلور من خلال إظهار إيران “أنيابها” الإقليمية ضد جيرانها، بحيث بات مستحيلاً – في حال إفلاتها من مصيرها المرسوم أميركياً – ترميم جسور الثقة بحدودها الدنيا مع نظام امتهن الاعتداء على دول المنطقة طوال أربعة عقود. ولن نُفاجأ إن تبين في ما بعد تحالف غير معلن نشأ بين كل الدول المتضررة من سلوك النظام في إيران منذ أكثر من أربعة عقود، والمعتدى عليهم حالياً بشكل مستمر، وهدف هذا التحالف تسريع إسقاط النظام مهما كلف الأمر، لأن بقاءه صار أعلى كلفة من إسقاطه مهما فعل، ومهما حاول أن يوسع من رقعة الصراع.
الحقيقة أن إيران لم يبقَ أمامها سوى الصواريخ الباليستية والمسيرات الانقضاضية لتستخدمها للإضرار بدول الجوار، بعدما خسرت علاقاتها معها. فما هو أخطر من الأضرار التي تلحقها عمليات القصف الأميركية – الإسرائيلية هو انهيار علاقات إيران مع الجوار، فبدأت فكرة التخلص من النظام تترسخ في أذهان القيادات فيها، من منطلق أن النظام الإيراني غير مسؤول ومتهور، فضلاً عن أن تاريخه سلبي للغاية مع الجميع، وهذا ما سيدفع دولاً فاعلة إلى تأييد تكثيف الحملة على النظام لإنهاء هذه الحالة التي تمنع المنطقة من التنفس!
لا يتعلق هذا الأمر بدول الخليج فحسب، بل بدول مثل تركيا وأذربيجان وجورجيا، التي يحاول الإيرانيون استهداف شريان نفطي مهم لها ألا وهو خط أنابيب باكو – جيهان! فالنظام الذي يستهدف كل هذه الدول بمصالحها ويشعل حرباً في لبنان ستدمر البلد المثقل بحروب الآخرين على أرضه، هو نظام فقد البوصلة تماماً، وبات يتصرف بما يذكّر بنهايات الرايخ الثالث في عام 1945. وفقدان البوصلة ظناً من أصحابه أنّ لا نجاة من الحملة سوى رفع كلفة الحملة نفسها على كل المنطقة وربما على العالم بشكل غير مباشر، من خلال التداعيات الاقتصادية لضرب إمدادات النفط ومساراتها.
منذ شهرين، نقول إن النظام مات حتى قبل أن يسقط من الناحية العملية. ومنذ شهرين، والنظام بسلوكه هذا يثبت أن من يراهنون على سقوطه السريع قد يكونون على حقّ في تقديراتهم. والمسألة لا تتعلق بالتمنيات، بل بملاحظة انهيار ما تبقى من العقل في قلب أضر بالمنطقة والعالم كثيراً، والأهم أنه دمّر مستقبل أبنائه بشكل منهجي.
