
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
تقرع اجراس قرى الشريط الحدودي الذين رفضوا النزوح من قراهم. أجراس تدعو الأهالي للبقاء معًا متكاتفين متضامنين، متشبثين بتراب الأرض على الرغم من الهول المحيط بهم. علما الشعب، رميش، دبل، القليعة، ديرميماس، مرجعيون، عين إبل، القوزح… وسواها، قرى رفضت الانصياع لمنظومة الخوف وتحدت كل الظروف كي لا تفرغ الأرض من ناسها ويسكنها نعيق الغربة، هذه بطولة مطلقة أم انتحار؟
هذه مقاومة يقولون. هؤلاء الأبطال لا بيئة حاضنة لميليشيا إيران عندهم، ويرفضون منطق الميليشيا، يريدون دولة وجيش لبناني وعلم لبنان يرفرف فوق تلك الربوع المدروزة بالإيمان والشجاعة. تجرّع اهالي تلك البلدات الجنوبية كأس التهجير لمرات ومرات بسبب حروب الميليشيا العبثية، وخسروا بيوتهم وأرزاقهم وأمانهم لأجل لا شيء، ولكن هذه المرة رفضوا الاجتراع من كأس الانتحار مرة جديدة، كأس حاولت الميليشيا بالقوة أن يشربوها معها، وأدى فيما أدى الى توغل إسرائيلي خطير للقرى الحدودية، ومع ذلك رفض هؤلاء أن يتركوا الأرض والبيوت، وأصبحوا هم الحراس اللي ما بينعسوا، وهم العنفوان وهم المقاومة. كيف يمكن أن يصمد هؤلاء بعدما أصبحوا شبه معزولين عن الدولة؟!
يقول سهيل أبو جمرا، رئيس بلدية ديرميماس قضاء مرجعيون “البلدية اخذت قرار البقاء مع أهلها وناسها على الرغم من كل الأخطار، لأننا عانينا الأمرين في الحرب الماضية من تهجير وتشتت، والقرار هو للتاكيد على تمسكنا بهويتنا وتاريخنا وبمشروع الدولة الشرعية والجيش الوطني، وهو لسان حال القرى الحدودية كافة. نحن الآن في حال شبه حصار، نحاول تأمين الحاجات اليومية بكميات محدودة تكفينا لفترة محددة، وفي البيوت مخزون من المؤونة يعين الاهالي أيضًا لفترة محدودة، لكن مع اشتداد الحصار نعرف أننا سنواجه الصعوبات، ولذلك تواصلنا مع أطراف عدة، جهات رسمية وجمعيات أهلية وبلديات الجوار وننسق معًا للحصول جميعنا على ما يلزم”.
لكن يا ريِس كيف تواجه العين المخرز؟ “نواجه بالإيمان” يقول أبو جمرا. وهل الإيمان وحده يدافع ويحمي الأهالي؟! “نحن مسيحيون مؤمنون وثابتون بايماننا وهذا من صلب مسيحيتنا، والشجاعة ليست قوة جسدية إنما هي قوة العنفوان والمواجهة، هذه هي الروح التي تشجعنا على البقاء والصمود في منطقة هي خط نار منذ وقت طويل” يقول.
أصعب ما يواجهه الأهالي هناك هو موضوع الأمن، إذ يخشون تسلل عناصر مسلحة تطلق القذائف من بين البيوت، ما يدفع بإسرائيل للرد بقصف عنيف، لذلك تتواصل بلديات المنطقة مع الأمن الداخلي والجيش ليقوموا بجولات ميدانية في المكان، علمًا أن الشرطة البلدية بالتعاون مع شباب ورجال القرى يتناوبون ليلاً نهارًا على الحراسة على مدار الساعة، منعًا لأي اختراق من عناصر مسلحة متسللة. “لذلك أتمنى على الإعلام أن يساعدنا في هذا المجال وأن يوصل صوتنا للقوى الأمنية اللبنانية التي نطالبها بالبقاء بيننا، خصوصًا بعدما سمعنا أنها أعادت انتشارها في المكان، فوجود هؤلاء بيننا هو من وجودنا وصمودنا” يقول أبو جمرا.
منذ حرب إسناد غزة الأخيرة وصولًا الى حرب إسناد إيران اليوم، تتراقص بلدات الشريط الحدودي على الجمر الحارق، تعاند القدر الذي وُضعت به بالقوة وتحاول بالمستحيل المتوافر أن تصمد، تتحدى، تقاوم وتصرخ “هيدي أرضنا وين بدنا نروح”، هذه شجاعة الانتماء والمواجهة والوفاء لتراب الأرض، الأرض ليست فندقًا وأيضًا ليست فراشًا للتشرد نحمله كلما عنّ على بال عناصر مسلحة خارجة عن القانون، أن تجعل الأرض رمادًا ونارًا لمساندة غرباء ومحتلين، “الأرض انتماء مواجهة صمود ووفاء” يقول الأهالي هناك ومن بينهم أهل بلدة رميش، ولماذا تغامر رميش وتبقى على الرغم من الخوف والخطر؟ “لأن رميش ليست مجرد بلدة على الخريطة، بل هي أرض وهوية وتاريخ. أهلها تعلّموا عبر الأجيال أن التمسك بالأرض هو أساس الكرامة والوجود. الخوف طبيعي، لكن الخوف لا يمكن أن يكون سببًا لترك الأرض. بالنسبة لأهالي رميش، البقاء في أرضهم هو موقف وطني وإيماني قبل أن يكون قرارًا شخصيًا، ورسالة واضحة أن هذه الأرض لها أهلها الذين لن يتركوها مهما اشتدت الظروف ” يقول جوني العلم عضو المجلس المركزي وموفد الحكيم الى بعض مناطق الجنوب.
هل رميش نسّقت مع بعض القرى الأخرى التي رفضت أيضًا الإخلاء؟ “لم يحصل تنسيق مباشر بالمعنى التنظيمي، لكن هناك قناعة مشتركة بين عدد من القرى الحدودية بأن التمسك بالأرض هو الخيار الصحيح. ما يجمعنا هو الإيمان نفسه بأن إفراغ القرى من أهلها يشكل خسارة كبيرة. لذلك قد تختلف الطرق، لكن الأسباب متشابهة: حماية الأرض والحفاظ على حضور الناس في قراهم” يقول العلم. لكن ماذا عن مقومات الصمود وهل يستطيع الناس العيش في حصار مماثل؟ “الصمود دائمًا يحتاج إلى مقومات، بعضها موجود وبعضها يحتاج إلى دعم. أهل رميش لديهم إرادة قوية للبقاء، لكن بطبيعة الحال يحتاجون إلى مساندة فعلية، سواء من الدولة أو من الفعاليات والطاقات الموجودة في بيروت وسائر المناطق. التضامن في مثل هذه الظروف ضروري، لأن صمود القرى الحدودية ليس مسؤولية أهلها فقط بل مسؤولية وطنية عامة. عندما تتوافر المساعدة والتكافل يمكن للناس أن يتحملوا ظروفًا صعبة لفترة طويلة” يقول، علمًا أن أهالي رميش يتواصلون مع القرى المجاورةويتعاونون معًا لتأمين الطحين والخبز والمحروقات والأدوية من خلال المستوصف الموجود في البلدة. ويبقى السؤال من أين تأتي روح العنفوان تلك عند الأهالي؟ “هي روح نابعة من تاريخ طويل من التمسك بالأرض والصمود في وجه الأزمات. أهل رميش اعتادوا أن يعيشوا على الحدود وأن يواجهوا الظروف الصعبة، لكنهم في كل مرة يثبتون أن ارتباطهم بأرضهم أقوى من الخوف. كما أن إيمانهم بالدولة اللبنانية وبالجيش اللبناني وبحقهم الطبيعي في العيش بكرامة في قريتهم يعطيهم هذه القوة المعنوية للاستمرار” يقول العلم.
“نحن مسالمون ولسنا بيئة حاضنة، نحنا باقيين هون، وهيدي أرضنا وبيوتنا، ساعدونا تـ نبقى ويبقى الجيش والقوى الأمنية حوالينا، ما بدنا غيرهم بالمنطقة، ساعدونا نبقى” صرخ أهالي بلدة علما الشعب وهم يجتمعون في كنيسة الضيعة. كنائس تلك القرى تقرع أجراسها باستمرار، أجراس هي نداء للقاء على التعاون والصمود معًا لمواجهة جحيم الحرب والحصار. كنائس القرى الحدودية تلك صارت بيت اللقاء للجميع من دون استثناء، وكهنة بيت الرب يلتفون حول أبناء البلدة ومع البلديات يشكلون عونة قل نظيرها ليتخطوا معًا، ما لا يعرفون حتى اللحظة ما يمكن أن يواجههم بعد أكثر، من مصائب الحرب المفروضة عليهم.
“بعدنا بـ بيوتنا وما قبلنا نفل. الوضع غير مستقر بالكامل، الطرقات ما زالت غير آمنة، ولا تصلنا المواد الأساسية كما يجب، ولا نستطيع التنقل لجلب احتياجاتنا سوى داخل البلدة فقط، والقرى المجاورة القريبة خالية من السكان، وحتى الطرقات الرئيسية بقلب الضيعة غير آمنة للتنقل لكن نحنا صامدين” يقول رئيس بلدية عين ابل، الذي وعلى الرغم من الذعر ومشاهد الحرب المخيفة، قرر الأهالي البقاء “بدلاً من مواجهة المخاطر والبهدلة على الطرقات، فضلنا أن نموت في أرضنا” يقول خريش.
قرى الشريط الحدودي، أبطال الأرض والزمان هؤلاء، شكلت كل منها خلية أزمة لمتابعة قضايا الأهالي، وحراس لا ينامون ليحرسوا نوم الأرض في الكرامة والبقاء. بعض الأطفال والمرضى والعجائز تركوا تلك البلدات بطبيعة الحال، ليبقى حراس الأرض هناك. حراس ليسوا مجرد أبناء قرى، إنما هم أجراس إيمان وصمود تقرع من قطع لقاطع، تنده على الحياة تحت صليب الرب، تعيش الخوف والذعر لكنها لا تستسلم الا لعنفوان المسيح، لا إنذارات إسرائيل أخافتهم، ولا إرهاب الميليشيا جعلهم يترددون، اختاروا إيمان البقاء، اختاروا صلاة الصمود، اختاروا عناد الثبات بالأرض والشرف والتراب وعبق سماء الجنوب الجريح ذاك المعلق على صليب الجلجلة. كيف يكتب الأبطال التاريخ؟ بالدماء حينًا، والمقاومة السلمية حينًا آخر، وبمواجهة آتون جهنم أحيانًا كثيرة، هذه ليست حكاية من فيلم سينمائي ولا مخيلة كاتب، هذه حكاية أهل صامدون من الجنوب، يكتبون تاريخًا خاصًا بهم، لا يشبه الا أساطير الأبطال، حكاية ناس رفضوا أن تقتلع جذورهم، وأن يبقوا متعلقين بتراب الأرض ليكونوا هم سمادها ومياهها وزرعها ومواسمها، وهؤلاء لا مواسم عندهم ولا حصاد، الا الكرامة والشجاعة وصليب يرتسم فوق جبين الأرض يعلن عليها الحياة من قلب قلب الموت.
قرى الشريط الحدودي "باقيين بارضنا"… فيرا بو منصف#رميش #لبنان pic.twitter.com/g0K2yCY7E0
— Lebanese Forces News (@LebForcesNews) March 7, 2026
