من يستمع الى سرديات وتبريرات مسؤولي “الحزب” بجناحيه العسكري عبر بياناته، والسياسي عبر من تسنّى لهم بعد طول انكفاء واختفاء أن يصرحوا مبررين مشرّعين ما ارتكبه “الحزب” الخارج عن القانون، من توريط مكرر بمشاهده التدميرية ومفاعيله الأمنية وآثاره ونتائجه السياسية، ومن استمع بشكل خاص الى الـ”حاجَّين” محمود قماطي ومحمد رعد، لا بد أن يعود الى العصر العثماني للعبرة، حين قرر رجل افتتاح حمام عام (تركي) جديد، وأراد حيلة ذكية لجذب الزبائن.فعلّق لافتة كبيرة على باب الحمام مكتوب عليها: “دخول الحمام مجانًا”. توافد الناس بكثرة، وكان صاحب الحمام يأخذ ملابسهم عند الدخول ويخزنها. بعد الاستحمام، وعند محاولة الخروج، يرفض صاحب الحمام تسليم الملابس إلا بدفع مبلغ مالي كبير، متعللًا بأن الدخول مجاني وليس الخروج.
عندما احتج الزبائن، رد عليهم: “دخول الحمام مش زي خروجه”.
كم ينطبق هذا المثل على نائب رئيس المجلس السياسي في “الحزب” الذي قال بعد أيام على إدخال حزبه بقرار إيراني الى “حمام” الدم والدمار، “هدفنا هو إلزام العدو الإسرائيلي بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النار…” ليكون إلزام العدو هذا، التزامًا من “الحزب” بتفكيك منظومته وهيكليته وترسانته العسكرية وتسليم سلاحه الى الدولة اللبنانية، صاحبة الحصرية في حمل السلاح وفي قرار الحرب والسلم، وطبعًا الخضوع للقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الوزراء في جلسات 5 و7 آب و5 أيلول من العام 2025، والمؤكد عليها في جلسة 2 آذار من العام 2026 بعد إدخالنا في حمام المواجهة الإيرانية -الأميركية ـ الإسرائيلية… ويكون ارتفاع عدد النقاط الى عشرات بعد أن كانت خمس، تمركز فيها الاحتلال في الأيام الأولى من هذه الحرب تطبيقًا لمثل الحمام التركي في دخوله، إذ يقول قماطي “إن الحزب يعمل لمنع العدو الإسرائيلي من التقدم داخل الأراضي اللبناني وإن مقاتلينا يكبدون العدو الكثير من الخسائر بالدبابات والجنود، ونحن الآن نعيد الأمور إلى نصابها”.
وفي التبرير الرجعي لسرديات العدو عن اعتداءاته طيلة الخمسة عشرة شهرًا الإدانة الواضحة عن تقصير “الحزب” في “القيام بواجباته” اللبنانية، يقول قماطي : “اتفاق وقف الأعمال العدائية يعطي للطرفين حق الدفاع عن النفس
والمقاومة تستخدم الآن حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في الاتفاق”، في حين أن حق “المقاومة” في الدفاع لم تمارسه؟ على الرغم من آلاف الخروقات، ولم يستفق عليه قماطي الا بعد استهداف إيران واغتيال مرشدها ومرشد “الحزب” الإمام علي خامنئي.
وكمن انطلت عليهم خدعة صاحب الحمام التركي, يفرض رئيس كتلة “الحزب” الحاج محمد رعد شروطه بعد دخول حزبه في فم التنين، مفترضًا انتصارًا على الرغم من واقع ووقائع صدمات ما قبل الخروج، “إخراج العدو من أرضنا المحتلة، ووقف اعتداءاته وخروقاته جوًا وبحرًا وبرًا، وتحرير الأسرى وإعادتهم إلى أهلهم، ووقف استهداف شعبنا وأمنه، وعدم تعطيل عودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة إعمار بلداتهم وبيوتهم”.
طبعًا لن يستفيق “الحزب” في الـ2026 في إسناده لإيران، كما لم يستفق سابقًا في الـ2006 على ارتفاع عدد الأسرى والقتلى، وعلى انضمام القسم الشمالي من الغجر الى لائحة الأراضي المحتلة، وكما لا يبدو أنه استفاق بعد إسناده لغزة وفقدانه لقياداته وقدراته وللنقاط الخمس واستباحة اجوائه وأراضيه وإتاحته لاعتداءات العدو، انطلاقًا من “حق الدفاع عن النفس” الذي نوه به قماطي نتيجة للإسناد.
لن نجد أفضل من لسان قماطي نفسه،كدرسٍ من الإسناد يصر “الحزب” على عدم التعلّم وأخذ العبر منه ومن صاحب الحمام العام التركي، إذ يقول ممثل الجناح السياسي في “الحزب” قماطي في 19 كانون الثاني من العام 2025، “لم نكن نتوقع
أن تتم الحرب الإسرائيلية الآن وكانت رؤيتنا أن الامور لن تصل لهذا الحجم و كان يجب الا نوصل لبنان لحرب موسعة ونحن حاولنا بداية القيام بذلك والالتزام بحدود الإشغال لكن الحرب الاستباقية اثرت علينا”.

