كثر العار يا وطن الغار. كثر الى درجة ما عادت المقالات الصحافية، ولا الخبر الصحفي السريع، يلحق تساقط الأحداث مثل النيازك الملتهبة فوق يوميات الوطن. كثر العار وأوله وليس آخره، هو تلك الميليشيا التي دمرت الجنوب فوق رؤوس الأهالي، وجعلت المكان لقمة سائغة للتوغل الإسرائيلي فداء لعيون خامنئي التي بدا ينخر فيها دود الموت والانسحاق، لكن معليش “فدا صباط خامنئي في إيران وصباط المجاهدين بلبنان” فليتدمر لبنان ولينتهي مع خامنئي ذاك، عميد الإرهابيين في الشرق المنكوب!
من باب أعرق عرين للديمقراطية، لفح العار نوابًا من الامة، وجدوا أن الحرب فرصتهم الثمينة والصيد الثمين للتمديد لأنفسهم لعامين إضافيين، بحجة عدم قدرة الدولة على تنظيم الانتخابات، فانتهكوا الدستور والأعراف، انتهكوا صوت الناس الأحرار، انتهكوا كل مظاهر الديمقراطية، أعادونا بالزمن الى أيام الاحتلال السوري الذي أرسى عرفًا غير مألوف وغير موجود في الدستور، وهو التمديد. التمديد لقرفهم، لفشلهم، لتواطئهم مع ميليشيا إيران ونوابها وحلفائها، التواطؤ على كل ما يمت بصلة الى الكيان اللبناني الحرّ العريق المتمثل بالبرلمان.
لكن كيف لنا أن نسأل والبرلمان محكوم بسيد واحد منذ ما يقارب الخمسين عامًا، وهذه “أعجوبة” لم تحصل بعد الا في لبنان!!! يا باصمين على الذل والعار، 76 صوتًا صوتوا لأنفسهم ليبقوا على قلوب اللبنانيين حجرًا، ثقلًا، قرفًا، احتقارًا، في مقابل 41 صوتًا رفضوا التمديد، وخصوصًا “القوات اللبنانية” التي شنت حملة سياسية إعلامية قبل انعقاد الجلسة، في محاولة لإنقاذ الاستحقاق الدستوري، وإنقاذ الديمقرطية وانتشال أصوات الناس من قمامة الانتهاك والاستلشاق. وضعت “القوات اللبنانية” كل جهدها مع حلفائها، لرفع عدد أصوات الرافضين للتمديد، لكن غالبًا ما يربح الشيطان في لبنان، والشيطان الآن يتحكم بالأرض، ويشن حروبه على اللبنانيين تحت اسم “المقاومة”، فربحوا الجولة في البرلمان، ربحوها لأنهم مذعورون من صندوق الاقتراع، يعرفون أنه لو تأجلت الانتخابات لسنة واحدة كحد أقصى، فلن يربحوا في غالبيتهم، سيلفظهم الناس بسبب هذه الحرب التي هم طرف مباشر فيها، لأنهم يدعمون الميليشيا على حساب لبنان، لأنهم لا ينفذون قرار الحكومة بالمبادرة لتسليم سلاح الميليشيا للجيش اللبناني، لأنهم مجرمون بكرافات وبدلة أنيقة. مددوا لأنهم يعرفون أن المجلس النيابي المقبل لن يشهد على وجود غالبية تلك الوجوه القاتمة التي صنعت عار لبنان ودمار لبنان بسبب الميليشيا إياها، لن يشهد على الفساد المستشري في جيوبهم وضمائرهم الميتة. كانوا يعرفون أن الشعب اللبناني سيرميهم في قمامة التاريخ، فقرروا التمديد للبقاء في قمامتهم، يغرفون منها ما يستطيعون قبل أن يحين آوان الرحيل. مددوا لأنفسهم ظنًا أنهم سيعودون ويتوالدون من جديد ضمن طبقة سياسية أدمنت على مدار السنين انتهاك حرمة لبنان ودستوره وقوانينه، وهم لا يعرفون أن بالتمديد إياه حفروا قبورهم بأياديهم، قبورهم عند الشعب الغاضب المستاء من أدائهم ومن عدم احترامهم لأصوات الناس وقرارهم الحر.
وفيما هم يمددون، كانت القليعة، القرية الحدودية الصامدة، تتعرض للقصف الإسرائيلي بسبب إرهابيي ميليشيا إيران الذين تعمدوا التسلل الى البلدة وإطلاق الصواريخ لتعريضها لنيران إسرائيل، فقتل كاهن الرعية وجرح آخرون. لا يريدون أن تصمد القرى المسيحية هناك، لا يريدون أن يروا لبنانيين أحرار شجعان يرفضون ترك أراضيهم وأرزاقهم، يريدون المكان كله دمار بدمار ليشفوا غليلهم من الصامدين الشجعان. القرى المسيحية قررت البقاء والصمود، وهم قرروا أن يتسببوا بدكها حجرًا فوق حجر، يريدون أن نتساوى بالموت والدمار والنزوح والتشرد، هذه كرامتهم، هذا هو العنفوان الذي أرادوه لبيئتهم المشردة في كل لبنان. ولكن القليعة وهي تدفن كاهنها أعلنت عليهم البقاء والصمود، أعلنت أن المسيح أقوى من كل شيء ومن كل إرهاب، وباسم الصليب المرفوع فوق السماء سيبقون وسيمددون للشجاعة والصمود.
عن أي عار بعد نتكلم، وأهالي علما الشعب يُرحّلون غصبًا عن إرادتهم من البلدة، قالوا لهم ارحلوا يا جماعة ما عاد بالإمكان البقاء في المكان، الشجاعة ليست فقط بالصمود في الأرض ولكن استدراك الخطر المحدق وحماية الناس منه. رحل اهالي علما الشعب بمواكبة اليونيفيل، لتبقى بيوتهم التي أعادوا إعمارها منذ سنة بسبب حرب إسناد غزة المشؤومة، وها هي الآن عرضة للدمار من جديد بسبب حرب إسناد رفات الخامنئي، رفات الخامنئي والنظام الإيراني المجرم.
هو تمديد لبقاء الميليشيا الرافضة تسليم السلاح، المتعالية على منطق الدولة، التي تتحدى لبنان وشعبه وحيث تكون تزرع الإرهاب والتحدي والانتهاك، ميليشيا تكره لبنان وعندما لا تستطيع أن تجعل اللبنانيين من داعميها، تدمره فوق رؤوس الناس الأبرياء، وأولهم رؤوس أبناء بيئتها، وستبقى تفعل ذلك طالما ثمة نواب يمددون لأنفسهم ليمددوا عبث الميليشيا بمصير لبنان… لكن، هي أيام، هي شهور صعبة ثقيلة ستمر، ومن بعدها لن يصح إلا الصحيح، هكذا علمنا التاريخ والحاضر القريب القريب جدًا ومن يعش يرى…

