#dfp #adsense

دفن Doctrina  الطائف (د. ميشال الشّمّاعي)

حجم الخط

عندما يتمّ بناء دولة تبنى عقيدتها بالتوازي، وهذا ما يعرف باللغة الأجنبية بالـ Doctrina المشتقة من: Doctor  المعلِّم أو العالِم. من الفعل Docere  يُعَلِّم / يُدرّس إذن السلسلة الاشتقاقية هي تقريبًا:

منظومة تعليمية  Doctrine →

→ Doctrina  تعليم

→ Doctor معلّم

Docere  يعلّم

وهذا ما اصطلح على تعريفه في العلوم المستحدثة لمواكبة الحرب العالمية الثانية بالـ “دوكترينا” أي  الـ”عقيدة” التي بنيت على أساسها جيوش الدّول في زمن القوميّات، وعمادها ثقافة الحروب بهدف التوسّع والسيطرة. وبعد الانتهاء من هذه الحرب، انتقلت هذه العقيدة إلى الجيوش التي بنيت في منطقة الشرق الأوسط على عقيدة محاربة حقّ الوجود لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى قمع شعوبها لصالح ديكتاتوريّات هادنت المجتمع الدّولي لتسيّر مصالحه ولو على حساب حرّيّة شعوبها.

وكانت مصر أمّ العروبة أوّل من أدرك سقوط هذه “الدوكترينا” فذهبت إلى ما عرف بسلام الشجعان. وتبعها الأردن ليقفل بذلك “دوكترينا” القتال السرمدي مقابل “دوكترينا” جديدة تقوم على الأمن الدّاخلي وكبح جماح التدخلات الخارجيّة في الدّاخل، والتبعيّة إلى الخارج من قبل بعض هذا الدّاخل. نجحت بما نجحت فيه هاتان الدّولتان، وفشلتا بما فشلتا به. لكن الأهم اسستطاعتا الحفاظ على السلام مع إسرائيل والحدّ من الغرق في أتّون الحرب السرمديّة. حتّى إنّ مصر حدّت مساعداتها في عزّ الحرب الحمساويّة في غزّة واسرائيل. خدمة لبقاء هذا السلام ولديمومة هذه “الدوكترينا”.

واليوم تشهد سوريا الشرع تغييرًا لهذه ” الدوكترينا” التي ابتدعها بعث الأسدين على قاعدة الجولان مقابل السلام المؤجّل. ولمّا سقط الأسدان، وجدت سوريا الشرع نفسها أمام ” دوكترينا” جديدة تقوم على التخلّي كلّيًّا عن الجولان مقابل بناء سوريا جديدة مسالمة مع إسرائيل، يسودها الأمن والاستقرار في نظام يحاكي حداثة العيش بين الاثنيّات المتعدّدة.

أمّا في لبنان، البلد الذي ما فتئ أن تحوّل إلى سويسرا الشرق على أساس  ” دوكترينا” مختلفة تمامًا عن محيطه، قوامها الحياد الإيجابي والناشط ختمها في العام 1969، عندما قرّرت الدّولة الدّخول في مبدأ التشارك السيادي مع منظّمة التحرير، وأدّى هذا التشارك إلى انفراط العقد الاجتماعي.  ليعود بعدها وتتجدّد “الدوكترينا” في الطائف على أساس محاربة وجود إسرائيل مع ما عرف بالمقاومة الاسلاميّة في لبنان بعدما حاولت “دوكترينا” اليسار في الحركة الوطنيّة اتّخاذ هذا الدّور. ومع إفشالها وصعود المقاومة الاسلاميّة في لبنان ولدت ” دوكترينا” الطائف.

هذه ” الدوكترينا” التي قامت على ركنين اثنين: محاربة إسرائيل، ومحاربة الوجود المسيحي الحرّ لإسقاط الشراكة الوطنيّة تحت ذريعة الوفاق الوطني بعد الانتقال من الميثاق إلى الوفاق. وسرعان ما تحوّل هذا الوفاق إلى خلاف كيانيّ مع اجتراح أرقى النّظم الديمقراطيّة في العالم لإسقاطها على الواقع اللبناني، عنيت هنا الديمقراطيّة التوافقيّة، التي سرعان ما تحوّلت إلى ديمقراطيّة تعطيليّة تحت ذريعة الحفاظ على الميثاق الوطني، في ما اصطلح على تسميته ببدعة ” الميثاقيّة”.

ولمّا نجح الفريق المسيحي بثباته في مبادئه السياديّة الوطنيّة القائمة على ثالوث المقاومة اللبنانية والحرّيّة والأرض، سقطت ” دوكترينا” إسقاط الوجود المسيحي الحرّ وعاد التمثيل المسيحي ليكون حجر العثرة بوجه ” دوكترينا” الطائف. يبقى الركن الثاني من هذه الـ” دوكترينا” الذي قام على محاربة إسرائيل عبر منظمة الحزب المحظور الذي أسقط بفعل موازين قوى الأمر الواقع.

فالحرب القائمة اليوم بين إسرائيل ومنظمة الحزب المحظور فرضت موت ” دوكترينا” الطائف وملحقاتها، وأبرزها تلك العقيدة التي بنيت على أساسها المؤسسات التنفيذيّة للسلطة الإجرائيّة. ولعلّ هذا ما يفسّر عجز هذه المؤسّسات عن تنفيذ قرارات الحكومة السياسيّة وأوّلها استعادة ” دوكترينا” الدّولة. فالقديمة قامت على محاربة اللبنانيّين الأحرار ودعم محاربي إسرائيل الذين نجحوا في إقامة توازن ديبلوماسي فرضه الواقع الجيوسياسي في المنطقة في  زمن العقل الديمقراطي الأميركي.

واليوم العالم تغيّر. والعقل الجمهوري هو الذي فرض تغييرًا جيواستراتيجيًّا بطريقة أسرع ممّا قد يتصوّرها عقل عاقل. وأتى فعل “السنوار” المعلوم المُجَهَّل ليخلقَ ردّ فعل مُجَهَّلٍ مَعلوم سلفًا. فكان ما كان. وهذا ما يفرض علينا كلبنانيين مجتمعين دفن ” دوكترينا” الطائف لأنّ ” الدكتور” الذي مارس فعل ” التعليم” لتثبيت هذه “الدوكترينا” خسر أوراقه كلّها أمام العقل الجمهوريّ الجديد. وعنيت بالدكتور هنا دولة الرئيس نبيه برّي الذي وضع الهندسة الدوكترينيّة لدوكترينا الطائف.

الدوكترينا الجديدة يجب أن تقوم على بناء مؤسسات تنفيذيّة قادرة أن تنفذّ القرارات السياسيّة للسلطة الإجرائيّة. لا على قدرتها في كبح شعبها أو جزء منه لحساب جزء آخر. ولا على بناء سرديّة سرمديّة تقوم على الغيبيّات في عالم لا يتكلّم إلّا بلغة الوقائع. ولبنان الجديد لن يقوم بوجوه جديدة فقط بل ببناء ” دوكترينا” جديدة لا تحاكي ” دوكترينا” الطائف أو تراعي أسباب قيامها. ففي عالم الواقع الأموات “الدوكترينيّون” لا يقومون. أمّا في عالم الغيبيّات فأساسًا هؤلاء لا يموتون.

ولمن لم يدرك بعد أنّنا لم نعد في عالم الغيبيّات وبتنا في عالم الوقائع والأرقام والأمتار الأخيرة عليه أن يجري عمليّة “تيويمٍ” (update) متواضعة ليدخل في عالم الواقع ويخرج من عالم الغيبيّات. فما نحن مقبلون عليه في المستقبل القريب لن يشبه ما عشناه طوال 36 سنة. فأهلًا بكم في العالم الجديد، وفي الشرق الأوسط الجديد، وفي لبنان الجديد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل