صحيفة النهار – علي حمادة
رغم الضجيج الصاروخي الإيراني، من الثابت أن الضربات الأميركية-الإسرائيلية الدقيقة الهادفة أنزلت وتنزل أفدح الخسائر في الهرم العسكري والأمني والصناعي الإيراني الذي بدأ يظهر شقوقاً ظاهرة للعيان. فالمشاهد التي خرجت ليل الأربعاء -الخميس من قلب طهران وشوارعها تفيد بأن قبضة النظام على الشارع في المدن الكبرى ىبدأت تضعف، لاسيما في العاصمة طهران التي يمثل عامل الضعف فيها رمزية كبيرة ويمكن أن يتمدد كالهشيم في النار إلى المدن الكبرى الرئيسية، وفي المقاطعات الـ 31 التي تتألف منها “الفسيفساء الإيرانية”. المشاهد التي نتحدث عنها هي التي تظهر تحليق مسيّرات قيل إنها إسرائيلية في أحياء العاصمة وشوارعها مستهدفة نقاط تفتيش “الباسيج” وحواجزه وقوى الأمن المنتشرة في المدينة بهدف قمع أي تحرك في الشارع يحاول المواطنون القيام به ضد النظام.
هذه جرأة لافتة من الإسرائيليين ما كانت لتحصل لو لم تضعف قبضة النظام الأمنية إلى حد باتت فيه سماء العاصمة مفتوحة على التحليق المنخفض للمسيّرات في الشوارع والأحياء للاشتباك مع قوات النظام الأمنية. هذا يعني أن السيطرة الحاسمة في الجو بدأت تنزل على الأرض للبدء بخلق ظروف تسهّل أمر نزول الشعب الإيراني إلى الشارع. أكثر من ذلك فإن المسيّرات المشار إليها ليست تلك الضخمة التي تستخدم في سياق أغراض عسكرية استراتيجية. إنها مسيّرات متوسطة الحجم تقلع من محيط العاصمة وتعود إلى مكان إقلاعها بحرّية غريبة. هذه المسيّرات التي تتحرك خلال الليل قد تتمكن مع مرور الوقت وتكرار عمليات الاشتباك مع قوات “الباسيج” المنتشرة في المدينة، من السيطرة على الشوارع بالنار بما يمنح فرصة ذهبية للمواطنين لكي ينزلوا بدورهم لاحتلال الشوارع، على قاعدة أن إسقاط النظام لن يحصل بحملة عسكرية من الجو، وهم – الإيرانيون – يمسكون بورقة إسقاط النظام.
ما تقدم يفيد استنتاجاً بأن قوات كوماندوس خاصة أميركية وإسرائيلية تعمل على الأرض، بالتنسيق مع عملاء الـ”سي آي إي” و”الموساد” في نقاط حساسة من إيران. وتعتبر العاصمة أهم النقاط بما ترمز إليه في حال سقوطها بيد ملايين المحتجين الذين يمكن أن ينزلوا إلى الشوارع حالما يتأكدون من أن النظام سقط أمنياً في طهران.
طبعاً، نحن لا نجزم بأن هذا السيناريو سيتحقق. لكننا نعتقد أن إنزال قوات الكوماندوس الأميركية والإسرائيلية على الأرض من شأنه أن يعكس قراراً جدياً بأن الحرب لا تقتصر على تحقيق الأهداف المعلنة أساساً، كتدمير البرنامج النووي والبرنامج الباليستي وتقويض الأذرع في المنطقة. فالضربات والأهداف المنتقاة بعناية على المستوى الاستراتيجي تتحدث عن نفسها: إنها عبارة على بناء متدرج لقلب النظام، من خلال تفكيك عناصر قوته العسكرية والأمنية والتكنولوجية والصناعية المزدوجة الاستخدام (مدني – عسكري).
لقد بدأت تصل معلومات من الداخل ترسم مشهداً سوريالياً من قبيل نشوب اشتباكات بين مجموعات من الجيش النظامي وأخرى من “الباسيج” في بعض المناطق وتمثل ترجمة لهذا التوتر الدائم بين أبناء مؤسستين أمنيتين. وقد تفاقم التوتر مع تراجع الثقة بأن النظام سيخرج سالماً من الحرب الدائرة اليوم. فنظام يقتل مرشده الأعلى، ولا يخرج خلفه على شعبه، معناه أن النظام في مأزق وأن الخلافة غير مضمونة، وبالتالي غير مستقرة، ويمكن أن تزول على حين غرة، تماماً كما حصل مع السلف. هذه رسالة سلبية إلى المناصرين قبل المعارضين. فهي بمقدار ما تشجع المعارضين على العودة إلى الشارع لتحدي النظام، تحبط المناصرين والمرتبطين بشبكة المصالح التي يديرها النظام.
إذا ما عدنا إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي يشكو الكثيرون من أنها تبدو متناقضة ومتضاربة، يمكننا أن نقول إن مواقفه لم تحد حتى اليوم عن الهدف الأبعد الذي يعود إليه بين الفينة والأخرى، ألا وهو مصير النظام الإيراني الذي يجري تدمير مقومات قوته وعناصر سلطته من أقصى البلاد إلى أقصاها. وفي هذا الإطار يبدو المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي يجمع المراقبون على أنه ترجم قراراً اتخذته مؤسسة الحرس الثوري بانتخابه، لكي يتم تقديمه على أنه يجمع بين شرعية الدم والبيت والتحالف بين المؤسسة الدينية المتشددة ومؤسسة الحرس الثوري الممسكة اليوم بالبلاد.
من الآن وإلى أن يتغير واقع الحال في إيران سيكون الحكم عسكرياً مطعّماً بالعمامة، ولا نستبعد أن يصبح مجتبى رهينة مؤسسة الحرس الثوري على “عرش” منصب المرشد.
في مطلق الأحوال من المهم بمكان مراقبة الوضع ليلاً في شوارع طهران لرسم صورة مستقبلية.
