#dfp #adsense

الانتحار بإيقاعٍ إيراني… والخيبة بإيقاعٍ لبناني

حجم الخط

صحيفة النهار – نبيل بومنصف

 

لم تعد الأوهام التي سادت انطباعات معظم اللبنانيين، بل عكست رهاناتهم في مطلع الحرب الجارية التي ورط “الحزب” لبنان فيها عمداً وتخطيطاً وبخططٍ معدّةٍ سلفاً منذ مدة طويلة كما أثبتت كل الدلائل والقرائن الميدانية والاستخباراتية، تسري بسهولة على أذهانهم بعد الأيام العشرة الأول من عمر هذه الحرب المجهول أفق نهايتها.

 

فبصرف النظر عن كل ما أثير إعلامياً وسياسياً في الأيام الأخيرة من حملاتٍ انتقاديةٍ غير مسبوقةٍ ما بين بيروت وواشنطن، لقيادة الجيش اللبناني وشخص قائدها، مضت الوقائع الميدانية في تعميق صدمةٍ كبيرةٍ تتسع تداعياتها باطرادٍ خطرٍ مع كل يومٍ يمضي من هذه الحرب التي تنذر بأن تتحول إحدى أشدّ الحروب تدميراً للبنان، في ظلّ “استقتال” الحرس الثوري الإيراني على تسخير “الحزب” حتى آخر مقاتل فيه متراساً متقدماً أولّ دفاعاً عن النظام الإيراني المتهاوي حتماً.

 

لم تعد الصدمة اللبنانية العارمة نابعةً من رؤية “الحزب” يجرّ طائفته ومناطقها وسائر مناطق لبنان الأخرى وراءها إلى شرّ الدمار المتجدد، لأن مناقشة النزعة الانتحارية للحزب وأتباعه وإيديولوجيته بعد كل هذا الويل، أضحت أمراً عبثياً لا طائل منه. بل إن الصدمة الكبرى جنحت الآن إلى الموقع الأخطر في عمق الاقتناعات اللبنانية الأشدّ تقليديةً ورسوخاً وتاريخية، وهو الإيمان المطلق بأن الدولة بأداتها الأساسية ورافعتها الشرعية أي الجيش، تقف عند مشارف انهيار الرهان الأكبر عليها وعليه في وضع حدٍّ حاسمٍ نهائيٍّ لآخر سلاسل الاستباحات التدميرية للبلد.

 

بلغت الصدمة حدها المخيف أمام وقائع المرحلة الأولى من الحرب، بحيث انتصبت معادلة كارثية تجسدت بانسحاب الجيش من جنوب الليطاني في مقابل عودة “الحزب” إلى استباحته بالكامل وتحويله منصةً ميدانيةً لإطلاق الصواريخ المختلفة الأعيرة والأنواع الإيرانية في اتجاه إسرائيل.

وإذا كان من تفسيرٍ منطقيٍّ للاشتعال والاحتدام الواسعين في الساعات الأخيرة تحت مسمى عملية “العصف المأكول”، المشتركة بين الحزب ومن يأمره في الحرس الثوري في لبنان وطهران، فهو أن النظام الإيراني ينازع المرحلة الأخطر في مواجهة الضربات الأميركية والإسرائيلية، فكانت الاندفاعة الكثيفة لذراعه المتقدمة عند الحدود مع إسرائيل في جنوب لبنان. أثبت الحزب بما لا يرقى إليه شك أنه كان منذ نشوئه الأداة الأولى والأساسية للاستخدام الإيراني نفوذاً وهجوماً وتوظيفاً ودفاعاً، وبلغت هذه الوظيفة منتهاها الآن في القفزة الانتحارية القاتلة التي بدأت مع إشعال حرب إسناد إيران والتي قطعاً لن تنتهي على إيقاع نهاية الحرب على إيران، بل على ساعة الخاتمة التي سيحدّدها الإسرائيليون إياهم في النهاية.

 

غير أن الأسوأ في مجريات الانتحار المتدحرج على أيدي “الحزب” هو الخشية المتعاظمة من انهيار الثقة الداخلية بالدولة، قبل الثقة الخارجية التي انهارت بلا شك ولا مجال لإنكار ذلك وطمر الرؤوس في الرمال تهرباً من الاعتراف به، تحت وطأة انفجار الازدواجية التي طبعت طوال الأشهر الماضية السابقة للحرب الفجوة الكبيرة بين قرارات مجلس الوزراء السيادية “التاريخية” ووتيرة الإنجازات المتواضعة على الأرض وحجمها.

لم يعد ممكناً ردم هذه الفجوة بدفاعٍ آليٍّ تقليديّ عن الجيش في الوقت الذي ينبري فيه “الحزب” إلى السلاح الأشد خطورة بالتهويل بانشقاق الجيش، وابتداع أساليب التهويل بفتنةٍ انقساميةٍ وطائفيةٍ في البلد كله. يضع هذا اللجوء إلى الفتنة، وإلى جعل الخيبة من الجيش لدى كثيرين وسيلة عبثٍ تخريبي بالبلد، السلطة السياسية أمام محكها المصيري الأكبر والتاريخي بامتياز، فإما أن تنقذ لبنان من براثن انتحاريين لا يقيمون اعتباراً لأي شيء وإما أن هؤلاء سينجحون في المهمة القاتلة الداخلية ولو هزمتهم إسرائيل!

المصدر:
النهار

خبر عاجل