#dfp #adsense

من التمييع إلى سلام الخاسرين

حجم الخط

لم يسقط لبنان في الحرب لأن الخطر كان غامضًا، بل لأنه كان واضحًا إلى حدّ الفضيحة، فيما اختارت الدولة أن تعرفه من دون أن تواجهه. خمسة عشر شهرًا من التمييع لم تمنع الانفجار، ولم تحمِ السلم الأهلي، ولم تثبّت هيبة المؤسسات، بل أوصلت البلاد إلى أسوأ المعادلات: حرب تُخاض بقرار خارج الدولة، ودولة تصدر المواقف من دون أن تملك شجاعة تنفيذها، وخارج بدأ يفقد ثقته بلبنان شريكًا فعليًا لا لفظيًا. وقد تجلّى ذلك بوضوح بعد قرار الدولة اعتبار الأنشطة العسكرية لـ “الحزب” غير قانونية، بالتوازي مع توسيع إسرائيل عملياتها وتحذيرها العلني للرئيس جوزيف عون من أنها ستتحرك بنفسها إذا لم توقف الدولة هجمات “الحزب”.

المشكلة، إذًا، لم تعد فقط في سلاح “الحزب”، بل في الدولة التي أعلنت المبدأ وتراجعت أمام الاستحقاق. قالت إن قرار الحرب ليس بيد “الحزب”، لكنها لم تُحوّل هذا القول إلى فعل. وهنا سقطت صدقيتها، لأن الدول لا تُقاس بما تقوله تحت الضغط، بل بما تفرضه حين يحين وقت الاختبار. وعندما تعلن السلطة موقفًا سياديًا ثم تعجز عن حمايته، فإنها لا تبدو متعقلة، بل عاجزة أو أسيرة ميزان قوى لم تملك أصلًا إرادة كسره.

هذه هي المعضلة اللبنانية في جوهرها: السلطة تعرف من يجرّ البلاد إلى الحرب، لكنها لا تقرر منعه. وبدل الحسم، اختارت مرة جديدة سياسة الهروب إلى الأمام: لا مواجهة، لا تنفيذ، فقط مزيد من شراء الوقت خدمةً لمعادلة أبقت السلاح فوق الدولة، وأبقت الدولة أسيرة الخوف منه. والنتيجة كانت حتمية: الخارج لم يعد يرى في لبنان دولة قادرة على فرض التزاماتها، بل كيانًا يقول شيئًا ويعيش نقيضه. وفي لحظة كهذه، لا يعود السؤال الدولي ماذا تريد بيروت، بل هل تستطيع أصلًا أن تفعل ما تقوله.

من هنا، لم يعد السيناريو الأسوأ احتمالًا نظريًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من اللاقرار. إسرائيل تتحرك بمنطق فرض الوقائع بالقوة وتوسيع الحملة، و”الحزب” يتصرف بمنطق الزجّ بلبنان في حرب لا تشبه المصلحة اللبنانية، فيما تقف الدولة في المنتصف كأنها تطلب مهلة إضافية من التاريخ. لكن التاريخ لا يمنح الدول المترددة فرصًا مفتوحة، ولا يحترم سلطة تتكلم كدولة وتتصرف كمن يخشى أن يكون دولة.

غير أن الأخطر من الحرب نفسها هو ما بعدها. فاستمرار هذا المسار لا يقود فقط إلى مزيد من الدمار، بل إلى مفاوضات سلام من موقع مكسور. وعندها لا تكون الطاولة تصحيحًا للخسارة، بل تثبيتًا لنتائجها. فالسلام الذي يأتي بعد حرب خيضت بقرار خارج الدولة، وبعد عجز الدولة عن منعها أو حسمها، لن يكون سلامًا بين طرفين متكافئين، بل تفاوضًا بين رابح يفرض شروطه وخاسر يحاول تقليل حجم الكارثة. وهذا هو الثمن الحقيقي للتمييع: أنه لا يمنع الانفجار، بل يؤجله حتى يأتي أكثر تدميرًا، ثم يدفع لبنان إلى التفاوض عليه من موقع الضعف لا من موقع السيادة.

وفي قلب هذه المعادلة لا بد من تسمية المسؤوليات بلا مواربة. نعم، هناك في الدولة من يريد استعادة السيادة، أو على الأقل يقول ذلك بوضوح أكبر من السابق. لكن هناك أيضًا دولة عميقة لا تعيش إلا على تعطيل السيادة وإبقاء كل قرار سيادي معلّقًا. دولة عميقة تدرك أن قيام دولة فعلية يعني سقوط شبكات النفوذ التي كبرت في ظل السلاح غير الشرعي أو في ظل التكيّف معه، ولذلك أبقت كل مواجهة ضرورية مؤجلة إلى “الوقت غير المناسب”، حتى صار الوطن كله هو الوقت الضائع.

ومن داخل هذه المنظومة يبرز الرئيس نبيه بري، ليس بوصفه المشكلة الوحيدة، بل كأحد أعمدة النظام الذي استثمر طويلًا في إدارة اللاقرار، وحمى المنطقة الرمادية بين الدولة واللادولة، وأدار الوقت لمصلحة بقاء المعادلة نفسها. لذلك فإن أي محاولة لتقديمه لاحقًا كرجل تسوية أو واجهة تفاوضية نظيفة ليست سوى محاولة لإعادة تدوير الأزمة بصفة الحل. فمن كان جزءًا من إدارة المأزق لا يملك أهلية سياسية أو أخلاقية للتفاوض باسم الدولة على الخروج من نتائجه.

إن ما يواجهه لبنان اليوم ليس جولة عسكرية جديدة فحسب، بل حصيلة مدرسة كاملة في الحكم: مدرسة أتقنت إفراغ القرار من مضمونه، وتعليق التنفيذ، وتسويق العجز على أنه حكمة، والخوف على أنه واقعية، والاستسلام المزمن على أنه حرص على السلم الأهلي. لكن الحقيقة التي لم يعد ممكنًا الهروب منها هي أن السلم الأهلي لا يُحمى بإبقاء السلاح فوق الدولة، بل بإسقاط هذه المعادلة أصلًا. وكل تأخير إضافي في الحسم لا يخفف الكلفة، بل يضاعفها، ثم ينقلها من الميدان إلى طاولة التفاوض.

لهذا لم تعد القضية تحتمل التجميل ولا توزيع المسؤوليات بالتساوي. لبنان لم يصل إلى هذه الحافة لأن الخطر كان مجهولًا، بل لأن الإرادة السياسية لمواجهته كانت غائبة أو معطلة أو خاضعة لمصالح بنية رأت في بقاء الدولة معلّقة الضمانة الوحيدة لبقاء نفوذها. ومن هنا، فإن أي إنقاذ حقيقي لا يبدأ بتدوير الزوايا ولا بإعادة تسويق الوجوه نفسها، بل بإسقاط شرعية هذا النهج كله. فالدولة التي لا تجرؤ على تنفيذ قرارها السيادي في لحظة الخطر لن تُمنح احترام الخارج ولا ثقة الداخل، بل ستُدفع إلى تسويات تُكتب على أنقاض عجزها.

الحقيقة القاسية أن لبنان يسير، إذا استمر هذا النهج، من التمييع إلى الانكسار، ومن الانكسار إلى سلام بين غالب ومغلوب. وهذه ليست خسارة عسكرية عابرة ولا أزمة سياسية مؤقتة، بل سقوط مدوٍّ لفكرة الدولة نفسها. فالأوطان لا تُكسر فقط حين تُهزم على الجبهات، بل حين تعجز سلطاتها عن حسم الخيار بين الدولة ونقيضها، ثم تجلس بعد الخراب إلى الطاولة لتفاوض على ما كان يمكن حمايته لو امتلكت الشجاعة في الوقت المناسب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل