.jpg)
في الحسابات الاستخباراتية، لا يُنظر إلى سقوط الأنظمة العقائدية الصلبة باعتباره نهاية للأزمة، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة تتمثل في مرحلة الفراغ السلطوي وإعادة تشكل موازين القوة داخل الدولة. وفي حالة إيران، تشير معظم المؤشرات البنيوية والسياسية إلى أن إسقاط النظام لن يقود بالضرورة إلى انتقال سياسي سلمي، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة ميدانية داخلية تتسم بالصراع المسلح وإعادة توزيع مراكز القوة.
طبيعة البنية السلطوية في إيران
يتميز النظام الإيراني ببنية معقدة تجمع بين:
مؤسسات الدولة الرسمية.
بنية أمنية – عسكرية عقائدية.
شبكات اقتصادية ودينية مرتبطة بالنظام.
ويُعد الحرس الثوري الإسلامي الركيزة الأساسية لهذه المنظومة، حيث يمتلك نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا وأمنيًا واسعًا، إلى جانب قوة التعبئة الشعبية المعروفة باسم قوات الباسيج.
هذه البنية تعني أن سقوط القيادة السياسية لا يؤدي تلقائيًا إلى تفكك النظام، بل قد يؤدي إلى تحول بعض مكوناته إلى قوى مسلحة مستقلة أو شبه مستقلة.
سيناريو بؤر المقاومة المسلحة
في حال انهيار السلطة المركزية، من المرجح أن تتحول بعض المناطق المرتبطة تقليديًا بالنظام إلى مراكز مقاومة مسلحة ترفض السلطة الجديدة.
وقد يظهر ذلك في:
المدن المرتبطة بمراكز القوة الدينية والسياسية.
مناطق انتشار الحرس الثوري.
مناطق ذات حضور عقائدي قوي موالٍ للنظام.
هذه البؤر قد تعمل وفق نموذج “المقاومة الداخلية”، أي تشكيل شبكات مسلحة تهدف إلى:
عرقلة استقرار السلطة الجديدة
فرض مناطق نفوذ ميدانية
استنزاف القوى المنافسة
تعدد مراكز الصراع الداخلي
التقديرات الاستخباراتية تشير إلى احتمال تشكل ثلاثة محاور صراع رئيسية داخل إيران:
ـ بقايا النظام (Hardliners): عناصر من الحرس الثوري والباسيج وأجهزة الأمن قد ترفض أي سلطة بديلة وتحاول إعادة فرض السيطرة.
ـ القوى الانتقالية أو المعارضة: قوى سياسية تسعى إلى بناء سلطة جديدة وإعادة تشكيل الدولة.
ـ القوى المحلية أو الإثنية: مجموعات قومية أو مناطقية قد تستغل حالة الفراغ لتعزيز الحكم الذاتي أو السيطرة المحلية.
هذا التداخل قد يؤدي إلى صراع متعدد الأطراف وليس حربًا تقليدية بين جبهتين.
ـ إعادة تشكّل مسرح العمليات
في هذه المرحلة قد تتحول إيران إلى مسرح عمليات داخلي متعدد المستويات:
المستوى الأول: الصراع على العاصمة والمؤسسات السيادية
السيطرة على القيادة السياسية
السيطرة على المؤسسات العسكرية
السيطرة على أجهزة الأمن والاستخبارات
المستوى الثاني: صراع على مناطق النفوذ قد تظهر مناطق نفوذ ميدانية بين:
فصائل مرتبطة ببقايا النظام
قوى انتقالية
جماعات محلية مسلحة
المستوى الثالث: التدخلات غير المباشرة من المرجح أن تشهد المرحلة تدخلات خارجية عبر:
دعم فصائل مختلفة
عمليات استخباراتية
دعم لوجستي أو سياسي
العامل الأكثر حساسية: القدرات الاستراتيجية
تعتبر الأجهزة الاستخباراتية أن أخطر مرحلة في أي انهيار داخلي للدولة هو تأمين القدرات العسكرية الاستراتيجية، خصوصًا:
البرنامج النووي
الصواريخ الباليستية
مخازن الأسلحة الثقيلة
أي فقدان للسيطرة المركزية على هذه القدرات قد يحول الصراع الداخلي إلى أزمة أمنية إقليمية أو دولية.
مقارنات تاريخية
تشير التجارب السابقة إلى أن سقوط الأنظمة الصلبة غالبًا ما يتبعه صراع داخلي معقد، كما حدث بعد:
غزو العراق في العام 2003
الحرب الأهلية السورية
سقوط نظام معمر القذافي
في هذه الحالات، أدى انهيار السلطة المركزية إلى تفكك المؤسسات الأمنية وظهور فصائل مسلحة متعددة.
الخلاصة التقديرية
تشير القراءة الاستخباراتية إلى أن المرحلة التي تلي سقوط النظام الإيراني قد تتسم بالخصائص التالية:
انتقال غير مستقر للسلطة.
ظهور بؤر مقاومة مسلحة مرتبطة ببقايا النظام.
صراع متعدد الأطراف داخل الدولة.
إعادة تشكل مسرح العمليات الميداني داخل إيران.
خطر مرتبط بالسيطرة على القدرات العسكرية الاستراتيجية.
بناءً على ذلك، فإن مرحلة ما بعد سقوط النظام قد تكون ميدانية وأمنية بامتياز، أكثر منها سياسية، حيث ستحدد موازين القوة على الأرض شكل النظام الجديد ومستقبل الدولة الإيرانية.