.jpg)
لم يعد أداء وزير الخارجية والمغتربين، يوسف رجّي، مجرد إدارة لملف دبلوماسي، بل بات يمثل “رأس حربة” سيادية في معركة استعادة الدولة المخطوفة. اليوم، يجمع الدبلوماسيون العرب والأجانب على أن التحذيرات الوطنية التي أطلقها رجّي محذراً من توريط لبنان في الحرب الدائرة في المنطقة ـ والتي لم يأخذ بها فريق الممانعة، بل قابلها بالتخوين والاتهام بـ”التصهين”ـ كانت هي القراءة الوحيدة الصادقة للواقع. فلو أخذ “الحزب المحظور” بتحذيرات رجّي، ولم يتفرد مجدداً بالمقامرة بمصير اللبنانيين عبر إطلاق حرب “إسناد إيران” في 2 آذار الحالي، لكان لبنان قد تفادى هذا الدمار الشامل الذي فاق في قسوته كل ما سبقه، والمؤسف أن كل المعطيات تُنذر بالمزيد.
إن الفارق الجوهري والمخيف اليوم يكمن في طبيعة المواجهة؛ فإذا كان “الحزب المحظور” قد جرّ لبنان إلى حرب “إسناد غزة” في “8 تشرين الأول 2023 تحت شعارات “وحدة الساحات” الزائفة، فإن انخراطه في حرب “إسناد طهران” منذ 2 آذار الحالي هو ارتهان عضوي بنيوي بالكامل للحرس الثوري الإيراني.
لقد أثبت “الحزب المحظور” من خلال ربط إطلاق صواريخه الهزيلة وإطلاق جحيم الحرب مجدداً في 2 آذار، “بالثأر للخامنئي”، أن لبنان بالنسبة لهذا التنظيم المسلح الخارج عن القانون ليس سوى ساحة لتخفيف الاختناق عن النظام في طهران. بالنسبة لـ”الحزب المحظور”، فإن أنين مليون و400 ألف نازح وركام القرى الجنوبية والبقاعية والضاحية الجنوبية ومناطق عدة في بيروت والجبل، “مسائل” ليست سوى تفاصيل هامشية أمام مصالح الولي الفقيه الإيراني، ما يجعل من لبنان رهينة في صراع وجودي لن ينتهي إلا بسقوط أو استسلام النظام الإيراني.
في ظل هذا الجحيم، جاء موقف الوزير يوسف رجّي في الرياض، خلال اجتماع وزراء خارجية من دول عدة، كـ”صدمة إيجابية” أعادت للبنان هيبته المفقودة منذ سنوات طويلة في المحافل العربية والدولية. كلمات رجّي أمام نظرائه والتي اتسمت بالشفافية والصلابة، أتت بمثابة إعلان عن انتهاء زمن “الصمت الرسمي” في لبنان على العربدة الإيرانية.
ما استوقف المصادر الدبلوماسية، هو إدانة رجّي الصريحة لـ”اعتداءات إيران على الدول الخليجية والأردن والعراق وتركيا وأذربيجان من دون رادعٍ، في محاولة منها لخطف أمن وسلام هذه الدول ومقايضتهما بأهدافها الإنتهازيّة”، واعتباره أن إيران باتت “دولة معزولة على حافة رصيف العالم”.
هذا الموقف اللبناني “الصافي”، الذي لم تسمعه الجامعة العربية والعالم من وزير خارجية لبناني منذ عقود، وضع “النقاط اللبنانية” على “حروف السيادة”؛ إذ قال رجّي: “بموازاة الإعتداءات التي تقوم بها إيران على الدول الخليجية، وبإيعاز منها لـ”الحزب”، زجّتْ بلبنان في أتون حربٍ لم يخترْها. إلّا أن الحكومة اللبنانية تُواصل العمل، بعزمٍ وتصميم، على انتزاع لبنان من براثن القبضة الإيرانيّة، وقد اتخذتْ سلسلة من القرارات، وهي ماضية في وضعها موضع التنفيذ، ولن تتراجع عنها”.
لم يكتفِ رجّي بالتشخيص، بل نقل للعالم إرادة الحكومة اللبنانية في انتزاع البلاد من “البراثن الإيرانية”. فمن قرارات حصر السلاح بيد الشرعية في آب 2025، إلى القرار التاريخي في 2 آذار الحالي بحظر أنشطة “الحزب” العسكرية والأمنية واعتبارها خارجة عن القانون، وصولاً إلى شطب مصطلح “المقاومة” من الإعلام الرسمي، كلها خطوات تؤسس لـ”استقلال ثالث”؛ بالإضافة إلى التشديد على دعم المبادرة الرئاسية للتفاوض المباشر مع إسرائيل التي حملها رجّي إلى الجامعة العربية. هذه المبادرة التي قد تشكل الطريق الوحيد اليوم لإسقاط معادلة “لبنان الرهينة”، وتثبيت سيادة لبنان وحقوقه، بعيداً عن مغامرات “فيلق القدس ـ فرع لبنان” المتمثل بـ”الحزب المحظور”؛ والتي لم تجلب للبنان وشعبه سوى الموت والدمار والخراب والفقر والعزلة العربية والدولية.
إن مأساة لبنان تكمن في “وضعية شاذة” يمثلها هذا “التنظيم الإيراني في لبنان”؛ الذي ربط مصير شعب بمشروع إقليمي يتهاوى. والمطلوب اليوم هو الالتفاف حول هذه الصلابة الدبلوماسية والسيادية؛ لفك الارتباط الانتحاري مع طهران واستعادة قرار الحرب والسلم، قبل أن يدفع اللبنانيون المزيد من الأثمان الباهظة نتيجة مراهنات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لا من قريب ولا من بعيد.
