دقت الأحزاب السياسية السيادية ومن يدور بفلكها ناقوس الخطر، ووجهت رسالة شديدة اللهجة الى الدولة اللبنانية لعدم تكرار خطايا المراحل السابقة وتعميق إقحام لبنان في الانحدار أكثر نحو الهوية. لم تكن الحرب الدائرة التي جزّ الحزب المحظور لبنان فيها كافية لتستدعي خطة عاجلة من الدولة لحماية أبنائها، لا بل راحت الأخيرة تبحث عن حلول على قاعدة “معالجة السرطان بالمي والملح”، فتمخض معها، في آخر ابتكاراتها، إقامة مخيم للنازحين في منطقة الكرنتينا، متناسية بطبيعة الحال الواقع الهش الذي سيفرضه هكذا قرار على بيروت ومحيطها وسكانهما.
وبدل أن تكون القرارات حاسمة، بدءًا من حصر السلاح غير الشرعي ومعالجته، مرورًا بفرض سلطة الدولة أقله على قرار الحرب والسلم، نجد الحلول تتركز حول خطاب واحد وحيد عنوانه “الخوف من الاقتتال الداخلي”. طبعًا، لا يحمل اللبنانيون، وانطلاقًا من تاريخهم المرير، أي خضات داخلية بعد، لكن حمايتهم من الاقتتال الداخلي لا يعني تفضيل بيئة واحدة ومراعاتها وكسر هيبة الدولة أمامها، على حساب البيئات الثلاث الأخرى، وهو لا يعني أيضًا أن تتعامى الدولة عن كل التجاوزات وترفع التقارير عن تنظيف جنوب الليطاني من السلاح وتدّعي ضبط الأمن في المطار، فيما بينت النتائج أن ستة صواريخ فقط أطلقت من جنوب الليطاني، كانت كافية لإشعال الحرب مجددًا بين الحزب المحظور وإسرائيل، وانطلاقًا من جنوب الليطاني، كما قوّض استهداف إسرائيل لقياديين إيرانيين عسكريين في فنادق لبنان أي نظرية تتحدث عن ضبط الأمن في المطار، أما القرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية المتعلقة بالحزب المحظور، فيتعاطى معها الأخير على قاعدة “بلوها واشربوا ميتها”.
اليوم، تقوم الجدلية على إقامة مخيم للنازحين في الكرنتينا، وقد بينّت الصور إنجاز قسم منه. لم ينسَ اللبنانيون بعد كيف تمددت بيئة الحزب المحظور في ضاحية بيروت الجنوبية محدثة تغييرًا ممنهجًا في هوية ساحل المتن الجنوبي، وإذا كان هدف إقامة مخيم الكرنتينا إنسانيًا، وهو أمر لا يُناقَش فيه، إلا أنه كان حريًا على السلطة السياسة الممسكة بالقرار أن تستمع إنسانيًا أيضًا، الى رأي معظم اللبنانيين الرافضين لخطط الحزب المحظور وارتهانه لإيران، إذ، وانطلاقًا من الهاجس الانساني أيضًا، على الممسكين بزمام القرار، أن يعوا أن مخيم الكرنتينا ليس إلا تمهيدًا لما سيصبح اسمه بعد عشرات السنوات، منطقة الضاحية الشمالية لبيروت وما سيستتبعها من تغيير في هوية المنطقة أيضًا.
لبنان الرسالة، لا يمكن أن يكون إذا استمر في فقدان ميزاته، والإنسانية لا يمكن أن تتجزأ بحسب الفئات المجتمعية، وإذا كانت الأحزاب السيادية، وفي طليعتها “القوات اللبنانية” أعدت العدة واستنفرت لرفض مشروع مخيم الكرنتينا، وقد نجحت حتى الساعة، إلا انه لا يمكن غض النظر بعد اليوم عن مسؤولية السلطة السياسية، التي تتفنن في الهروب من المشكلة، مخلفة وراءها مشاكل أكبر.
الخطر الحقيقي ليس في الانقسام الحاصل اليوم إنما في الانقسام الأكبر الذي تساهمون فيه، ولو عن غير قصد، لأنه من المستحيل أن تكون الدولة حاضرة في الشمال وجبل لبنان وبيروت والبقاع لجباية الضرائب وتطبيق القانون، فيما تغيب عن هذه الأقضية ذاتها وتترك المواطنين لمصيرهم عندما يتعلق الأمر بالحزب المحظور.
قضيتنا مقدسة، إنها قضية الإنسان، في كل زمان ومكان… ولكن من يحمي إنسانيتنا التي تتصلبطون عليها بالتهديد والوعيد والفجور وفرض أمر واقع؟
ما يجري اليوم، هو فقدان فعلي لسيادة الدولة، وتآكل ثقة المجتمع الدولي بلبنان، فهل ستقرأ سلطتنا الرسالة وتتحرك قبل فوات الأوان؟
