.jpg)
عندما تقرر الدول الكبرى تغيير جغرافية العالم انطلاقًا من العمل السياسي وباستعمال القوّة، إن كانت ناعمة أو صلبة، لا يستطيع أي شعب الوقوف بوجه هذه المخطّطات. ولنكن موضوعيّين في نقاشنا، قد تستطيع بعض الشعوب تعديل المسارات الدّوليّة أو تاجيلها أحيانًا لكن لن تستطيع أبدًا الوقوف بوجه هذه المشاريع، لأنّ الدّول الكبرى تنجح في تغيير التوقيت وتعديله ليتلاءم مع الوقائع لكنّها لا تغيّر مخطّطاتها أبدًا بل تؤجّلها تمهيدًا لتعديلها بما يتلاءم مع كلّ تغيير يستجدّ.
والحالة في الشرق الأوسط تمّ تأجيل تغييرها وتعديلها تماشيًا مع كلّ التغييرات التي استجدّت في العالم. ليس بدءًا بإسقاط الشيوعيّة، ولا انتهاء بإسقاط الإسلامويّة التي وُجدت لمواجهتها، ولا حتّى مواكبة لثورة الذكاء الاصطناعي، بل محاكاة واستشرافًا للمستقبل الذي ينتظرنا إن عشنا لنراه.
لذلك، من المفيد قراءة بعض الأحداث في التاريخ المعاصر، لاستشراف هذا المستقبل الذي ينتظر شعوبنا في الشرق الأوسط. نستعيد حرب كوسوفو في العام 1999 عبر حملة القصف الجوي التي شنّها الـNATO على يوغوسلافيا (صربيا والجبل الأسود) خلال أزمة كوسوفو، بين آذار وحزيران 1999. فهذه الحرب لم تكن حربًا برية شاملة، بل كانت حرباً جوية مكثّفة هدفت إلى إرغام القيادة في بلغراد على الانسحاب من كوسوفو.
هذا الإقليم ذات الغالبيّة الألبانيّة الإسلاميّة السنّيّة الذي تدخّل فيه “الناتو” عسكريًّا بعد اتّهام قوّات الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش بارتكاب انتهاكات واسعة ضدّ المدنيّين وفشل مفاوضات Rambouillet Agreement، فبدأ القصف في 24 آذار 1999 واطلق “الناتو” وقتذاك عمليّةOperation Allied Force مستهدفًا كلّ الدفاعات الجويّة والقواعد العسكريّة، لتتوسّع الحملة في نيسان وأيار من العام نفسه فشملت البنى التحتيّة المدنيّة وصولًا إلى استهداف تلفزيون بلغراد ممّا دفع بعض الألبان إلى النّزوح، وسقط ضحايا مدنيّون داخل صربيا وكوسوفو، مع ممارسة ضغط ديبلوماسي كبير من قبل روسيا لتنتهي الحرب في حزيران 1999 بموافقة ميلوسوفيتش على سحب القوات من كوسوفو ودخول قوات دوليّة لحفظ السلام KFOR وتوقيع اتّفاق Kumanovo Agreement. الذي أنهى 78 يومًا من القصف فخرجت صربيا من الإقليم الذي أعلن استقلاله في العام 2008. مع الأخذ بعين الاعتبار سقوط نظام ميلوسوفيتش نتيجة لانتفاضة داخليّة في العام 2000. فالهدف الذي وضعه “الناتو” في تلك المرحلة لم يكن إسقاط نظام بلغراد أو احتلال صربيا بل إجبار القيادة على الانسحاب من كوسوفو وتغيير سلوكها.
وسط ذلك لا يمكن إغفال ما حدث في البوسنة والهرسك وكرواتيا ومونينيغرو من حرب قومية – إثنيّة أدّت إلى فرز جغرافي إثني قومي جديد قائم على مبدأين: التجانس شبه التام والتنوّع بحسب الواقع الجغرافي المتداخل. كما لا يمكن إغفال المجازر العرقيّة التي حدثت وقتذاك والتي كانت دافعًا إلى إسقاط بلغراد بالكامل وولادة الجمهوريات السبع الجديدة كالآتي: سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا الشماليّة في العام 1991، البوسنة والهرسك (جمهورية واحدة) في العالم 1992، صربيا في العام 2006 بعد انفصالها عن اتّحاد صربيا والجبل الأسود، ومونتينيغرو في العام 2006، وكوسوفو في العام 2008، الذي انفصل عن صربيا بعدما كان يتمتّع بحكم ذاتي داخل صربيا مع إقليم فويفودينا.
أمّا في لبنان المركّب إثنيًّا وكيانيًّا وجغرافيًّا، فيشبه الحالة اليوغوسلافيّة من حيث الصراع في ماضي الحرب اللبنانيّة، لكنّ اليوم ما يميّز هذا الواقع أنّ الصراع هو صراع مركّب بين منظّمة “الحزب المحظور” التي تمثّل جزءًا من المكوّن الحضاري الشيعي في لبنان، وإسرائيل التي وقّع لبنان معها اتّفاق الهدنة في 23 آذار من العام 1949. مع ارتباط هذا الصراع بالامتداد الايديولوجي الإقليمي الإيراني. ما يعني أنّ الدولة اللبنانيّة ليست طرفًا في هذه الحرب، والدّليل محاولات الحكومة الدؤوبة بنأيها عن نفسها من خلال القرارات التي ما فتئت بإصدارها عن حظر عمل منظمة “الحزب” الأمني والعسكري. وعدم تطبيق قرارات السلطة الإجرائيّة بواسطة المؤسّسات التنفيذيّة اللبنانيّة العسكريّة والأمنيّة والقضائيّة يشير بوضوح إلى أنّ القرار الأمني في لبنان هو قرار مفكّك عمليًّا.
وبالتّالي، لا يوجد رأس واحد في الدّولة لإسقاطه كما تمّ إسقاط ميلوسوفيتش. وهذا ما يفسّر أسباب فشل ثورة 17 تشرين، وفشل أيّ محاولة قد تشبهها في المستقبل اللبناني. ومن المؤكّد ألّا قرار دولي واضح اليوم بإسقاط الدّولة اللبنانيّة. والدليل على ذلك حركة السفراء ومحاولات التفاوض مع إسرائيل عبر الدّولة اللبنانيّة على صعوبة تنفيذ هذا الطرح طوعًا. وما يحدث عسكريًّا على لبنان من قبل “الأزرق” لا زال انتقائيًّا ولا يشمل بنية الدّولة بل بنى المنظّمة غير الشرعيّة والمحظورة شرعيًّا.
مع الأخذ بعين الاعتبار الانقسام العمودي الحاد في لبنان، وعدم وجود أكثريّة سياسيّة مطلقة في المجلس الذي نجحت إيران بالتمديد له لسنتين لا كما أرادت القوى السياديّة بأن يكون التمديد تقنياً حتى انتفاء الأسباب الموجبة. وهذا ما يمنع سيناريو الاسقاط السياسي للسلطة أو حتى الاسقاط الثورويّ. ولعلّ هذا ما أثار الحديث راهنًا عن احتمال التغيير الحكومي، لأنّ إسقاط الحكومة سيكون المدخل التدريجي لانهيار الهيكل المؤسّساتي بالكامل في هذه المرحلة. وقد يأتي نتيجة للحرب الواسعة في ظلّ الانهيار الاقتصادي إن حدثت. وهذا ما سيؤدّي إلى انهيار سريع للنّظام وانتهاء عهد الرئيس جوزيف عون وانتقال مباشر للسلطة. ولكن الاشكاليّة التي ستطرح حينذاك: لمن ستنتقل السلطة في ظلّ التفكّك الكياني؟، فهل يوجد أيّ إجماع داخلي على هكذا سيناريو؟ أم هل يوجد أي قرار دولي لذلك؟. حتّى الساعة أرجحيّة الاجابة السلبيّة هي التي تطغى، لكنّ هذه الأرجحيّة لن تبقى لأنّها آنيًّا ترتبط بالميدان الحربي.
لبنان اليوم يعيش نزاعًا إقليميًّا على أرضه، لا حربًا لإسقاط نظامه أو انتهاء لصيغته. لكن ما لم يستطع اللبنانيّون “يوغوسلافيّته” في الحرب الداخليّة، هل سيستطيعون “يوغوسلافيّته” في الحرب الإقليميّة ليولد لبنان جديد قوامه صيغة اتّحاديّة – حياديّة لمن يريد محاكاة نماذج البوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية ومونتينيغرو في تعدّديّـها الدينيّة؟ أو محاكاة النماذج المتجانسة في كلّ من صربيا (الأرثذوكسيّة) وكوسوفو (الاسلاميّة)، وسلوفينيا وكرواتيا (الكاثوليكيتين)؟.