
لم تمضِ أيام على محاولة “الحزب المحظور” التنصّل من تهديدات محمود قماطي بالانقلاب على الحكومة و”قلب الطاولة وقلب البلد”، ومحاولة قماطي نفسه “التذاكي” والتبرير بأن تصريحه “أُخرج من سياقه”، حتى أطل وفيق صفا من “غيبة العزل المفترض”، مهدِّداً بأن “الحزب المحظور سيُجبر الحكومة على التراجع عن قرارها بحظر أنشطته العسكرية والأمنية بعد انتهاء الحرب، بغضّ النظر عن الوسيلة، وهناك أجندة مختلفة بعد الحرب”!.
من يعرف حقيقة “الحزب المحظور”ـ منذ البداية إلى ما شاء الله ـ لم يُفاجأ بتهديدات وفيق صفا وقبله محمود قماطي، لكن لا ندري إن كان “مَن آمن بكل نيّة حسنة” بالحوار مع هذا “التنظيم الإيراني في لبنان” قد تفاجأ بتهديداتهما، خصوصاً بعد سابقة أمينهما العام نعيم قاسم بـ”طويلة ع رقبتكن”، الواضحة وضوحاً أشد من “عين الشمس”!.
بالتالي، ما العمل الآن؟، هل ستبادر الحكومة إلى التحرّك بعد كلام قماطي وصفا؟، هل ستتصدى لهذا التهديد وتُنفّذ قراراتها في 5 و7 آب و2 آذار؟، وهل سيتحرّك القضاء لتوقيف قماطي وصفا؟، أم ستبقى الحكومة في موقع المتفرّج إلى أن تُفرض عليها الوقائع بالقوة مجدداً؟.
الكاتب والمحلل السياسي، مروان الأمين، يرى أن ثمة أكثر من نقطة يمكن التوقف عندها في ما قاله وفيق صفا؛ أولاً، يبدو أن “الحزب” لم يتعلم شيئاً من كل هذه التجارب والسياسات الانتحارية التي يقوم بها، وآخرها طبعاً حرب إسناد إيران، وكأن احتلال الجنوب؛ الذي يتوسع بسبب خيارات هذا “الحزب”، لا يعني له شيئاً.
يضيف الأمين عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “كل هذا الدمار وذلّ الناس ورميها في الشوارع لا يأخذه هذا “الحزب” في الاعتبار ولا توجد أي مراجعة لديه، بل يستمر في الخطاب ذاته من العنجهية والفوقية والتهديد للحكومة وللّبنانيين، حتى أنه لمَّح بشكل أو بآخر إلى ما يشبه “7 أيار”، في الوقت الذي باقي الأطراف الذين يهدد بـ”7 أيار” ضدهم هم الذين يحتضون النازحين حالياً!”.
هذا يعني، يتابع الأمين، أنه “على هذا المستوى أيضاً، لا يسأل “الحزب” عن المشاكل أو التوترات التي يمكن أن تُخلق نتيجة هذا الخطاب التهديدي بين النازحين والمناطق التي تستضيفهم. هذا “الحزب” لا يهتم بمصير النازحين ولا بالتوترات الداخلية، ولا أننا اليوم نمر بمرحلة حساسة ولنقُم بمراجعة لكل هذه التجربة والنتائج التي تسبَّبت بها خياراتنا، بل يُكمل بالمنهجية ذاتها والمنطق نفسه. بالتالي، من الواضح أن لا مراجعة لدى “الحزب” إطلاقاً؛ هناك الخطاب الفوقي والتهديدي والتخويني من جهة، واستهتار بحياة ومصير اللبنانيين، حتى النازحين، من جهة ثانية”.
عن موقف الحكم الحكومة والمنتظر والمطلوب إزاء التهديدات المتكررة على لسان قياديي “الحزب”، يشير الأمين إلى أن الحكومة اتخذت قرارات 5 و7 آب الماضي و2 آذار الحالي بالإضافة إلى القرار المتعلق بملاحقة عناصر الحرس الثوري الإيراني الموجودين على الأراضي اللبنانية تمهيداً لترحيلهم، لكن كل هذه القرارات لم تجد أي طريق للتنفيذ.
ويلفت الأمين، إلى أن الهوّة ما بين القرار والخطوات التنفيذية “شاسعة وكبيرة جداً” ومصيرها دائماً في “الدرج”، مشيراً إلى تحوّل خطير بدأ يثار في الأوساط الداخلية والدولية، بأن أي قرارات ستصدر عن الحكومة أو عن رئيسَي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، لم تعد تعني اللبنانيين كثيراً، ولم تعد تثير اهتمام لا اللبنانيين ولا الدول العربية ولا المجتمع الدولي، لأنه بالنسبة لهؤلاء جميعاً وبعد نحو عام من هذه المواقف المتكررة والقرارات التي تصدر عن السلطة من دون أن تقترن بخطوات تنفيذية، أصبحت بالنسبة لهم بلا ثقة، وتبقى مواقف منثورة في الهواء بلا قيمة عملية تنفيذية ولا تُصرف في أي مكان.
بل على العكس، يضيف الأمين: “كلما صدرت قرارات بسقف عالٍ أكثر، كلما زاد الإحباط عند اللبنانيين من الحكم والحكومة، وكلما تراجعت أيضاً الثقة العربية والدولية بهما؛ لأنه بالنسبة لهم تصدر قرارات جيدة لكنها لن تُنفَّذ وبالتالي لا قيمة لها. القرارات التي اتخذها الحكم والحكومة على مستوى سيادة الدولة وحصرية السلاح كان لها في البداية أهمية ووقعاً كبيراً وأوجدت أملاً لدى اللبنانيين وحازت على دعم الدول العربية والمجتمع الدولي؛ لكن القرارات المماثلة اليوم على هذا المستوى، باتت تخلق إحباطاً إضافياً وتزيد تراجع الثقة بالحكم والحكومة لبنانياً وعربياً ودولياً”.
هذا ما يفسّر في مكان ما، وفق الأمين، كيف تفاعل الأميركيون والإسرائيليون مع مبادرة الرئيس جوزيف عون للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، إذ لم يأخذوها في الاعتبار الجدي ولم يُعيروها الاهتمام المطلوب. فبالنسبة للأميركيين والإسرائيليين الهدف ليس مجرد الجلوس والتفاوض المباشر؛ إذ إن لسان حالهم أنه في حال جلسنا معكم واتفقنا على أمر ما، هل ستذهبون إلى التنفيذ؟، لا، لا ثقة لدينا بأنكم قادرون أو لديكم النيّة للتنفيذ.
الأمين يرى، أن “المسألة ليست مسألة قدرة، بل نيّة وإرادة”. فبرأيه، “لا توجد لدى الدولة اللبنانية النيّة والإرادة بالتنفيذ، لكن القدرة على التنفيذ موجودة في حال وُجدت الإرادة والنيّة”، مؤكداً أن “الجيش اللبناني قادر على التنفيذ، والشعب اللبناني كله وراء الجيش والأجهزة الأمنية، والمجتمع الدولي والدول العربية كلها وراء الدولة من أجل التنفيذ، لكن الإرادة مفقودة”.
نحن في هذا الوضع للأسف، يقول الأمين، مضيفاً أن وجودنا في هذه الحرب المدمرة مجدداً هو نتيجة تعنُّت “الحزب” من جهة وتقاعس الدولة اللبنانية من جهة ثانية؛ هذان العاملان أوصلانا إلى ما نحن فيه اليوم. بالتالي، الدولة اللبنانية؛ إما أن تبادر وتتحمّل مسؤولياتها لحماية لبنان والشعب اللبناني بأسره، وإلا تستمر في سياسة التقاعس والتردد، ويبدو حتى الآن، أن كل المؤشرات تدل على أنها مستمرة في هذه السياسة.
الأمين يعرب عن أسفه، لأن هذا الأمر يساهم بشكل أو بآخر، أو كأنهم يقولون للإسرائيليين أكملوا بحربكم وتوغّلوا وافعلوا ما تشاؤون، وكأنهم يمنحون إسرائيل الغطاء الدولي، وخصوصاً الأميركي، لاستكمال حربها، فيما هم يجلسون ويتفرجّون والشعب اللبناني يراكم الخسائر!.
