صحيفة النهار – علي حمادة
مع انقضاء الأسبوع الثالث من الحرب، التي كما قال الرئيس نواف سلام في مقابلة أجرتها معه قناة “الحدث”، فرضها “الحزب” على لبنان، يمكن القول إن منطقة جنوب الليطاني ستشهد ما إن تتحسن الأحوال الجوية تطورات دراماتيكية، لناحية انطلاق الحملة العسكرية الإسرائيلية بقوة كبيرة بهدف التوغل لمسافة ٢٥ كيلومترا في الداخل اللبناني وصولا إلى نهر الليطاني، مع فارق كبير عن التجارب السابقة يتلخص بتفريغ البلدات والمدن من السكان، ودفعهم إلى ما بعد الليطاني، وربما إلى ما بعد نهر الزهراني شمالا.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى ما هو أبعد، ونعني أن الخطة الإسرائيلية لا تعتبر الاحتلال غاية، وإنما الهدف تفريغ المنطقة من السكان وتدمير الحياة في كل القرى، الواحدة تلو الأخرى، إلى أن يصبح من المستحيل العودة إلى القرى والبلدات قبل مرور وقت طويل.
هذه الإستراتيجية مبنية على قراءة إسرائيلية سبق أن نشرها أحد مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ومفادها أن السكان المدنيين هم تعريفاً الغطاء الدائم لتسلل المسلحين بينهم، وصولا إلى الحافة الأمامية. وذهب أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين في الحرب الأولى عام ٢٠٢٤ إلى القول إن الوجود المدني في جنوب الليطاني يشكل غطاء للوجود العسكري، وإن البنية المدنية، أي الأبنية والمنازل هي مخابئ للسلاح والمسلحين. ومن هنا خطورة هذا التقييم الذي يشكل مقدمة واضحة لما يمكن أن يحصل في الأسابيع المقبلة.
بالأمس تخوف الرئيس جوزف عون من أن يكون المخطط إقامة منطقة عازلة. لقد كان محقا، لكن الخطر أكبر من المنطقة العازلة في ذاتها، ويكمن في تحويل منطقة جنوب الليطاني، أي ما يقارب ١٥ في المئة من مساحة لبنان إلى أرض مدمرة ومحروقة خالية من غالبية السكان، تقام فيها منطقة أمنية عازلة لسنوات مقبلة، بما يحوّل النزوح إلى تطهير مديد، مع كل ما يحمله هذا الاحتمال من أخطار على مصير مئات الآلاف من المواطنين اللبنانيين، فضلا عن اختلال خطير في الحياة الوطنية اللبنانية، نظرا إلى فداحة هذا السيناريو، إن تحقق.
لذلك لا نرى في الوقت الحاضر أفضل من مبادرة الرئيس جوزف عون التفاوضية لتشكل أساساً صالحا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان. والبداية تكون بإعلان “الحزب” الامتثال الكامل لقرارات الشرعية اللبنانية ووقف إطلاق النار الفوري من جانب واحد، لأن ما سيحصل في الأيام والأسابيع المقبلة سيكون حقا كارثة تاريخيّة على كل الصعد. والتفاوض المباشر مع إسرائيل، مع انكفاء الحزب المذكور الفوري، سيشكل منطلقا لتنفيذ كل المقررات الحكومية لنزع السلاح والذهاب في اتجاه مغاير لذاك الذي تسير عليه إيران المؤهلة للتدمير الكامل. ولكل من يعتقد أن إيران قادرة على ربط وقف النار على أراضيها بوقفه في لبنان، نقول إنه واهم، لأن الحساب في لبنان مستقل عنه مع إيران، وسيستمر القتال في لبنان طويلا. أما القدرة على الصمود الاجتماعي، فإن الدولة تفعل ما في وسعها لإغاثة النازحين في كل مكان، لكنها وحدها في الميدان، فيما تفيد تقارير بأن الحزب يوجّه إمكاناته المالية نحو المحازبين والمقاتلين ويحجبها عن النازحين المدنيين غير المرتبطين بأي جهة حزبية، وهم الأكثرية.
في مطلق الأحوال، إن قيام “الحزب” بتوريط لبنان للمرة الثانية في أقل من ثلاث سنوات بحرب لا علاقة له بها (كما قال الرئيس جوزف عون) هو جريمة في حق لبنان يستحق أن يحاسب عليها كل من اقترفها.