صحيفة النهار – نبيل بومنصف
طبعت تجارب الحكومات المتعاقبة برئاسة كل من الرئيس رفيق الحريري وفؤاد السنيورة وسعد الحريري مع “الحزب”، معظم عصر ما بعد الطائف بطابع الصدام المتلون وفق الظروف التي كانت تملي تبدلاتها الوصاية السورية أولا، ومن ثم النفوذ الإيراني عقب الانسحاب المذل لنظام بشار الأسد من لبنان. طبعا كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري بشراكة أسدية – إيرانية تولى تنفيذها “الحزب” ذروة تلك الحقبة، إلى أن جاء العنوان الثاني الانفجاري الدموي في الاجتياح المسلح لبيروت الغربية الذي يعدّ ذروة استخدام الحرس الثوري آنذاك لذراعه في لبنان من أجل تأجيج الصراع السني – الشيعي المذهبي.
لم يقف كثيرون مذذاك عند الأهداف الإستراتيجية العميقة الأشد خبثا للنفوذ الإيراني، فيما كانت تتباهى طهران بأنها تحكم السيطرة على أربع عواصم عربية، إذ انشغل “المؤرخون” بالهدف التكتي الظاهري لـ”الحزب” بالهيمنة على السلطة اللبنانية الحكومية حتى لو سال دم البيروتيين أنهارا. شكّل العمق المذهبي غالبا، وواقعيا، أكبر التقاطعات الإيرانية – الإسرائيلية في الشرق الأوسط وأسوأها، بصرف النظر عن الحرب الدائرة بينهما الآن، لأن هذا العامل الشديد التأثير يشكل الأداة الأعمق أذى في بيئات البلدان العربية خصوصا ونسيجها، ويجعلها تتهمش تماما أمام تلاعب دول إقليمية مثل إيران وإسرائيل وتركيا.
هذا من الزاوية الإقليمية الواسعة، أما من الزاوية اللبنانية المحدودة فيمكن اعتبار بدء عهد الرئيس جوزف عون العنوان الثالث المفصلي لتلك العلاقة الشديدة التعقيد بين الدولة الرسمية الطبيعية والدولة العميقة الخبيثة المتحكمة في مفاصل أجهزة ومؤسسات مدنية وعسكرية وقضائية واقتصادية. بذلك يمكن اعتبار الحقبة الصدامية غالبا، والتي بلغت ذروة صداميتها، بين نواف سلام “رجل الدولة” المفاجئ الآتي إلى نادي رؤساء الحكومات من خارج الإطار التقليدي، و”الحزب”، العنوان السياسي الملازم لمرحلة وقوف الدولة أمام أخطر استحقاقاتها تماما كما يخوض الحزب الذي تحكم فيها طويلا أخطر استحقاقاته المصيرية. والحال أن تمايزا لا يمكن إنكاره ترسخ في تعامل كل من رئيسي الجمهورية والحكومة مع الحزب، جعل الرئيس نواف سلام في موقع متمايز بقوة عن شريكيه جوزف عون ونبيه بري في كل ما يمتّ إلى التعامل مع الحزب. صار الصدام العلني الشرس بين الرئيس سلام و”الحزب” في الأشهر التي أعقبت قرارات مجلس الوزراء السيادية المتصلة بحصرية السلاح وبتحظير الشق العسكري والأمني للحزب واعتباره خارجا عن القانون، أبرز ما يمكن الاستدلال عليه لتاريخ المرحلة الحالية، خصوصا بعدما سجلت الانتكاسات الصادمة في عودة الحزب إلى الانتشار القتالي الميداني في جنوب الليطاني وانكفاء الجيش اللبناني عنه. كانت تلك الصدمة الأشد وقعا إطلاقا من كل خيبات اللبنانيين الذين عاشوا أحلام عودة الدولة من الباب العريض لإحكام سيطرتها الأحادية ووضع حد حاسم لهيمنة “الحزب” عليها مع منظومة شراكة الثنائي الشيعي باسم المذهبية المتسلطة.
من هنا يمكن النظر إلى الأهمية القصوى التي يكتسبها مضي الرئيس نواف سلام في مواجهة الإدمان النمطي الذي يستعيده “الحزب” عبر رموز ينتقيهم لإعادة عقارب الساعة إلى ظروف يستحيل أن تعود، ليس لانتفاء الاحتمالات الواقعية لإثارة الفتن كما يهول بها مثلا هؤلاء الرموز، بل أساسا لانعدام الظروف المحلية والخارجية التي تبيح للحزب مجددا القدرة على استباحة الداخل اللبناني كما حصل في التجارب السابقة. ولكن نواف سلام تمكن من إثبات حقيقة أن توازن القوى ممكن بين الموقف الحاسم المقدام للمسؤول وصواريخ الحزب!