
في لحظة وجودية حيث الجبش الإسرائيلي يتوغل في الجنوب ويدمّر القرى ويهجّر السكان، بعدما استدعاه “الحزب الإيراني في لبنان” ثأراً للخامنئي، اختار “الثنائي الشيعي” الانحياز لولائه العابر للحدود على حساب أنين المشردين والنازحين، عبر مقاطعة جلسة مجلس الوزراء، أمس الخميس، والتي كانت مخصصة حصراً لملف النزوح والإغاثة والرعاية والاعتداءات الإسرائيلية من جوانبه كافة.
هذه المقاطعة التي جاءت كـ”رد فعل” كيدي على قرار الدولة السيادي المدعوم رئاسياً وحكومياً بطرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني، كشفت عن انفصام وطني حاد وضعف في تقدير حجم الكارثة؛ إذ كيف يغيب من استجلب الحرب بقراراته المنفردة وتسبب بضياع الأرض عن جلسة تبحث في لملمة جراح ضحاياها وتأمين أبسط مقومات الصمود الاجتماعي والاقتصادي؟.
أوساط رسمية استغربت، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، هذا التصرف “غير المسؤول”، رافضةً تلك “الذريعة الساقطة” التي تحجّج بها “الثنائي”. لكن الأوساط ذاتها لم تتوقف عند حدود الشكل ـ المقاطعةـ بل تقدَّمت باتجاه المضمون، مؤكدةً أن الدولة اللبنانية لن تتراجع عن قصقصة أجنحة التدخل الإيراني في لبنان، ومذكّرة بأن “حبر” قرار الحكومة ملاحقة عناصر الحرس الثوري الذين حوّلوا لبنان إلى غرفة عمليات عسكرية لم يجف بعد، لتأتي هذه المقاطعة وتثبّت التهمة بالارتهان الكامل للأجندة الإيرانية، حتى لو كان الثمن ترك مئات آلاف النازحين لمصيرهم المجهول تحت وطأة العدوان المتوسع.
في مقابل هذا الابتزاز السياسي الذي حاول ثنائي “حركة أمل” و”الحزب الإيراني في لبنان” من خلاله شلّ الحكومة، ثمَّنت الأوساط الرسمية موقف الوزير فادي مكي كخرقٍ سيادي لافت لمنطق “القطيع” الحزبي، حيث آثر كسر طوق المقاطعة بحضور الجلسة، مرسلاً رسالة وطنية مدوية مفادها أن “الدولة هي الخيار الوحيد” الذي لا يتقدم عليه أي اعتبار فئوي أو إقليمي، ومعتبراً أن المؤسسات الدستورية هي الحصن الأخير في وجه الانهيار الكامل، حتى وإن شابت الرؤية السياسية تباينات حول توقيت إجراءات وزارة الخارجية.
هذا الصمود المؤسساتي الذي جسّده الوزير مكي ومجلس الوزراء، يأتي في وقت تتدفق فيه “تقارير ميدانية سوداء” نقلها وزير الدفاع ميشال منسى إلى الحكومة، مؤكداً أن الآلة العسكرية الإسرائيلية بدأت فعلياً بتنفيذ “نموذج غزة” في قرى الحافة الأمامية؛ فمن الخيام إلى الطيبة ومحيطهما، لم يعد الأمر يقتصر على المواجهة العسكرية، بل انتقل إلى مرحلة “المسح الجغرافي” وهدم المنازل بشكل منهجي وممنهج، في خطوة تهدف بوضوح إلى خلق منطقة عازلة خالية من البشر والحجر لمنع أي عودة مستقبلية للسكان.
إن هذه المشهديّة السريالية، حيث توثق فيديوهات الاحتلال “نشوة” تدمير القرى الجنوبية بينما ينشغل وزراء المحور بالدفاع عن “كرامة” سفير مطرود، تضع اللبنانيين أمام الحقيقة المرة التي لا يمكن الهروب منها: إما نزع سلاح “الحزب الإيراني في لبنان” فوراً وتسليم الدفة الكاملة للدولة والجيش اللبناني لانتزاع غطاء دولي ينقذ ما تبقى من جغرافيا، أو الاستمرار في دفع أثمان “حروب الوكالة” التي لم يحصد لبنان واللبنانيين منذ بدايتها سوى الأرض المحروقة، والسيادة المستباحة، ونازحين بلا مأوى يُقاطع وزراؤهم جلسات إغاثتهم إرضاءً لمرشد طهران.
