صحيفة نداء الوطن – ألان سركيس
تتخذ المعارك على الأرض طابعًا أكثر حديّة. ويرتفع سقف المواجهة وسط غياب الحلول التفاوضيّة. وتستكمل إسرائيل تحويل الجنوب إلى أرض محروقة مدمرةً ما تبقى من قرى في الحافة الأماميّة.
حاول “الحزب” منذ انطلاق عملية الثأر لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي إظهار نفسه بمظهر القوي والقادر على التحكّم باللعبة العسكريّة. ومن جملة التحضيرات، توجيه ماكينة إعلامية وسياسيّة تُدار مباشرةً من قبل الحرس الثوري الإيراني من أجل الترويج لسرديات ولو وهمية في الحرب الإعلامية واستكمال بروباغندا الممانعة.
ويظهر يومًا بعد يوم تداعيات الدمار والمآسي التي جلبها “الحزب” على بيئته وأهله. وهذا الأمر ترجم في مسارعة رئيس مجلس النواب نبيه برّي للصعود إلى بعبدا وطلب تجنيد الدولة من أجل الاهتمام بالنازحين، في حين يجب على من أدخلهم في أتون هذه الحرب وتسبّب بتهجيرهم تأمين مأوى لهم وإسنادهم بدل إسناد نظام الملالي.
وتتزايد أعداد النازحين قسرًا وذلك مع توالي الإنذارات الإسرائيلية وشمولها ليس فقط جنوب الليطاني والضاحية بل مناطق واسعة في جنوب الزهراني، ومع توسّع الاجتياح البرّي سيصبح من الصعب عودة النازحين. وتوثِق مشاهد التدمير التي تحصل في الخيام والجوار حجم التوغل الإسرائيلي واتباعه سياسة ممنهجة في التدمير وإخفاء معالم البلدات والمدن الجنوبية.
ولا يستطيع أحد إنكار أن “الحزب” يخوض مواجهة انتحاريّة وليست بطوليّة، فقد عاد إلى منطقة جنوب الليطاني على رغم إعلان الجيش اللبناني انتهاء خطة حصر السلاح هناك والانتقال إلى شماله، لكن الحقيقة أن لا السلاح تمّ حصره ولا “الحزب” خرج من هذه البقعة، وبالتالي منح ذريعة إضافيّة لإسرائيل من أجل تعميق توسّعها واحتلالها.
لا تملك الدولة اللبنانية جوابًا مقنعًا لحظة السؤال عن كيف طبّقت اتفاق الهدنة وأخرجت “الحزب” من هذه المنطقة وأعلنت خلو جنوب الليطاني من السلاح. ومن أبرز المبررات التي تعطى أن استمرار احتلال إسرائيل للنقاط الخمس لم يساعد على استكمال الخطة حتى الحدود.
وإذا كانت هذه النقطة صحيحة، فالمناطق التي يظهر فيها “الحزب” هي خارج نطاق هذه النقاط، ليأتي الجواب بأن من يقاتل هم أبناء القرى والبلدات ويساندهم مقاتلون من البقاع ومناطق أخرى وحتى أجانب وهؤلاء انتقلوا إلى مناطق القتال بعد بدء الحرب على إيران ومن دون أسلحة.
وتعتبر هذه النقطة أساسيّة، فمن أين أتت الأسلحة؟ وكيف يمكن ظهور سلاح إيراني غير شرعي في منطقة أطبق الجيش السيطرة عليها كما أعلن؟ وتعطي الدولة مبررات وهي أن “الحزب” لم يتعاون مع الجيش اللبناني ولم يسلّم خرائط انتشار السلاح، ومن جهة ثانية الجنوب واسع ويبدو أن هذا العمل وتخزين السلاح في المنازل عمره أكثر من 40 عامًا، ولا تملك الأجهزة اللبنانية الداتا الكافية. فمنذ عهد الرئيس إميل لحود ولحظة انسحاب الإسرائيلي في أيار 2000 من الجنوب، كانت الدولة غائبة، وتعتبر هذه الفترة الذهبية في بناء قدرات “الحزب”، وكذلك كان من غير المسموح للدولة اللبنانية الدخول إلى مناطق عمل “الحزب” وهذا الأمر كان مغطى بقرار سياسي.
وعمل “الحزب” في هذه المنطقة براحة تامة ولا أحد كان يسأله أين أنت حتى بعد صدور القرار 1701 في آب 2006 وانتشار الجيش اللبناني و “اليونيفيل” في الجنوب، وحوّل “الحزب” منازل الجنوب إلى متاريس ومنشآت قتالية.
ولا يحتاج “الحزب” في الحرب الأخيرة إلى نقل مقاتلين مع سلاحهم، فهم يذهبون إلى الجنوب وينتشرون في أماكن انتشار السلاح خصوصًا بعد أن كودرهم الحرس الثوري الإيراني وأعاد “الحزب” ترميم ذاته، وبالتالي لا تقتصر منشآت “الحزب” على الأنفاق التي تمت مصادرتها وتفخيخها، بل على المنازل والحقول.
تعتبر هذه الأسباب منطقية، لكن هذا الأمر لا يعفي الدولة من مسؤولياتها، في حين أن الواقع الميداني يكشف تقهقر “الحزب” وخوضه حربًا انتحارية وسط فرار عدد كبير من مقاتليه بسبب الاختلال في موازين القوى واجتياح وتدمير المزيد من القرى الجنوبية.