
في بلدٍ اعتاد أن يهمس في مواضيع السيادة، خرج وزير الخارجية اللبناني ليقول ما كان يجب أن تقوله الدولة كلها دفعة واحدة: إن لبنان ليس محافظة إيرانية، وإن ممثل طهران في بيروت ليس وصيًا على القرار اللبناني، ولا شريكًا في تعريف المصلحة الوطنية، ولا صاحب حق في التدخل في شؤون دولة يفترض أنها ما زالت دولة. قرار اعتبار السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه لم يكن زلّة دبلوماسية، بل لحظة نادرة تكلّمت فيها الخارجية اللبنانية بلغة الدولة لا بلغة الخضوع. وحين أعلنت إيران أن سفيرها سيبقى في بيروت على الرغم من انتهاء مهلة المغادرة، لم تكن تهين الوزير وحده، بل كانت تختبر ما إذا كان لبنان دولة فعلًا أم مجرد ساحة قابلة للكسر عند أول اعتراض من طهران.
ما فعله وزير الخارجية ليس مغامرة، بل الحد الأدنى من الكرامة السيادية. فالسفير الإيراني لم يُعامل كموظف بروتوكولي خالف تفصيلًا شكليًا، بل كممثل لدولة اعتادت أن تتصرف في لبنان فوق منطق الاعتماد الدبلوماسي نفسه، وكأن نفوذها في الداخل يمنحها حق تجاوز الأصول وحدود اللياقة السياسية. هنا بالتحديد، تصرف الوزير كما يجب أن يتصرف أي مسؤول لبناني يحترم موقعه: لم يطلب الإذن من منطق التسوية، ولم يغطِّ الإهانة بعبارات دبلوماسية رخوة، بل وضع حدًا واضحًا بين الدولة وبين من يتعامل معها كأنها مساحة نفوذ مفتوحة.
الأهم، أن الوزير لم يكن هنا مجرد فرد داخل الحكومة، بل ممثلًا لخط سياسي يعرف جيدًا معنى الصدام مع الوصاية الإيرانية، ولا يشعر بالحاجة إلى التخفيف من موقفه كلما تعلق الأمر بسيادة لبنان. وهذه نقطة لا يجب التردد في قولها: قوة الوزير لم تأتِ فقط من موقعه الدستوري، بل أيضًا من خلفيته السياسية الواضحة، من انتمائه إلى مدرسة لم تبنِ خطابها على المواربة في مواجهة المشروع الإيراني، بل على اعتباره أصل الأزمة اللبنانية لا أحد تفاصيلها. لذلك لم يبدُ قراره معزولًا أو مرتبكًا، بل منسجمًا مع خط سياسي يعرف ماذا يقول ولماذا يقوله. أمّا من ينزعجون من وضوحه، فمشكلتهم ليست مع الأسلوب، بل مع فكرة أن يوجد في الدولة اللبنانية من لا يزال قادرًا على قول “لا” لطهران من دون ارتجاف.
لكن الخطيئة الكبرى بحق الدولة، أن يُترك الوزير وحده في الواجهة، فيما تتصرّف بقية السلطة بمنطق المراقب المتردد. فإذا كان القرار صحيحًا، فلماذا لا يتحول إلى موقف رسمي كامل تتبناه الرئاسة والحكومة بلا التباس؟ وإذا كانت الخطوة فعلًا دفاعًا عن السيادة، فلماذا يُترك صاحبها مكشوفًا أمام حملة الاحتواء والضغط، وكأن المطلوب الاستفادة من صدى القرار مع إبقاء باب التراجع مواربًا؟ الدولة التي تضع القرار عند باب الوزير ولا تدخله إلى قلب السلطة، لا تحميه، بل تستهلكه. وهي بذلك لا تضعف الرجل فقط، بل تفضح نفسها أيضًا.
من هنا أيضًا يتكشف الخلل في أداء قمة السلطة، لا في المبادئ المعلنة، بل في نقص الجرأة على استكمال الموقف السياسي وترجمته إلى فعل سيادي واضح. فالكلام بلغة وطنية هادئة عن الدولة والسيادة ورفض حروب الآخرين على أرض لبنان، صحيح في المبدأ، لكنه لم يعد كافيًا في لحظة صار فيها الخطر الداخلي معروفًا بالاسم، وصارت كلفة التخفيف في التسمية أعلى من كلفة المواجهة. حين يكون “الحزب” قد جرّ لبنان إلى حرب جديدة منذ 2 آذار، وحين تكون هذه الحرب قد دفعت البلاد إلى مزيد من القتل والتهجير والانكشاف، لا تعود اللغة المعسولة فضيلة سياسية. المطلوب من رأس الدولة ليس فقط أن يكرر المبادئ، بل أن يسمي بوضوح من كسرها، ومن صادر قرار الحرب، ومن وضع لبنان مرة جديدة في خدمة الحسابات الإيرانية.
المشكلة أن بعض أهل السلطة ما زالوا يتصرفون كأن المطلوب إدارة التناقض بين الدولة و”الحزب”، لا حسمه. كأن وظيفة المؤسسات هي تدوير الزوايا مع الخطر، لا حماية اللبنانيين منه. وهذا ما يعطي خطوة وزير الخارجية وزنها الاستثنائي: أنها كسرت، ولو للحظة، هذا النفاق الرسمي الطويل. قالت إن السيادة لا تُستعاد عبر الخطب الملساء، بل عبر قرارات واضحة، حتى لو أغضبت إيران، وحتى لو أحرجت حلفاءها في الداخل، وحتى لو كشفت حجم التردد في أعلى هرم السلطة.
أما الحديث عن “الواقعية” و”التوازنات” و”الحسابات الداخلية”، فلم يعد سوى الاسم المهذب للجبن السياسي. أي واقعية هذه التي تقبل أن تعلن إيران بوقاحة أن سفيرها سيبقى في بيروت على الرغم من قرار الدولة اللبنانية؟ وأي توازن هذا الذي يجعل لبنان قادرًا على إصدار القرار وعاجزًا عن فرض احترامه؟ إذا مرّ هذا التحدي من دون رد حاسم، فالمعنى لن يكون فقط أن الوزير أُحرج، بل أن الدولة نفسها قيل لها علنًا: قرارك لا يلزمنا.
لهذا، لا ينبغي التعامل مع ما جرى كأنه ملف وزير خارجية فقط، ولا كأنه اشتباك دبلوماسي محدود. ما جرى هو اختبار بين منطقين: منطق دولة تحاول أن تنهض من تحت ركام الخضوع، ومنطق محور لا يزال يعتبر لبنان ورقة تفاوض وساحة نفوذ وخزانًا بشريًا لحروبه. وفي هذا الاختبار، كان وزير الخارجية أوضح من كثيرين، وأشجع من كثيرين، وأكثر احترامًا لفكرة لبنان من كل أولئك الذين يكثرون الكلام عن الوطن ويصمتون عند أول مواجهة مع من صادره.
الخلاصة بسيطة وقاسية: الوزير قام بواجبه، وربما أكثر. أما الدولة، فلم تثبت بعد أنها على مستوى قرار وزيرها. وهنا تكمن المسألة كلها. لأن لبنان لا ينقصه مسؤول يعرف أين يقف، بل سلطة كاملة تجرؤ على الوقوف معه. وحين يحدث ذلك فقط، يصبح القرار السيادي فعلًا دولة، لا موقف رجل تُرك وحده ليقول الحقيقة في جمهورية ما زالت تخافها.