.jpg)
أيّها المجتمِعون في معراب، لقد أحيَيتم رموز النّار والنّور، والجمر والعطر، من رِزقِ صفائكم اللّبناني الأصيل، ووجدانكم الولائيّ السَخيّ، وترجَمتم مزاجَ النّاس في الانتماء والولاء، قُطبَي مفهوم المواطنة، فشكّلتم، بذلك، فُرادةً يَصعبُ الارتقاء إليها مِمَّن دَفنوا إحساسَهم الوطني في الرّماد، فلطّخَ وَحْلُهم وجه البلاد بكلّ قبيح.
لطالما كانت معراب جعبة العنفوان في ذخائرنا الوطنيّة، لأنها آمنَت بأنّ تَجديد البيعة للأرض تستطيعُ وحدَها، أن تُطلِعَ الشّمس، وتمنح الوطن شعلة الحياة. وما كانت معراب، في محطّاتِ حضورها إلّا جريئة، متحدِّية، مناضلة في مواقفها، دفاعًا عن لبنان الذي تُحِبّ، لبنان الخَصبِ بالحريّة، والكرامة، والجَمال، والفرح. لذا، كان سلوكُها شحنات عنفوانيّة تَصدرُ عن التصاق صادق بالقضيّة، وعن رعاية مندفِعة لفكرة الوطن المقدّس، هذا الوطن الحاضر، أبدًا، في ضميرها، والذي لم ينطقْ وجدانُها إلّا به.
إنّ لقاءَ معراب كُتِبَ باللغة اللبنانيّة، مُكَثِّفًا التّأكيد على ناموس الوطنيّة الأعلى. فكلُّ ما قيل فيه، وما نُشِرَ في بيانِه، وكأنّه مُستَمَدٌّ من مداخلة للكبير الرّاحل موريس عوّاد، إذ قال: “كِل شي فِيّي مِش إلّا لبناني”. وهذا يعني أنّ عمارة معراب، والمجتمعين فيها، محصَّنةٌ بمحبّة ثابتة للكيان، وبدفاعٍ عن الهويّةِ مُكتنِز بأُصول جليلة أَقَلُّ حدودها التَدَيُّنُ للبنان حتميّة نهائيّة، وتَوق الى الذَّود عن قِيَمِهِ، وكأنّ معراب، في لقائها السياديّ، تكتب فلسفة أخرى لحقيقة لبنان.
لقد أدركَت معراب فداحة الخطر الذي يتهدّد الجماعة الوطنيّة، ويمكن، له، أن يؤدّيَ الى انهيار هذه الجماعة، وطَمس هويّتها، فلم تستسلم الى سُبات، أو تَبْقَ محجوبة عن مسرح الأزمة، أو تَقِفْ عاجزة عن إطلاق الدّعوة الى المواجهة، في لقاءٍ عابِقٍ من شرارتَين في الذّات، هما الإخلاص والعنفوان. من هنا، سلكَت معراب الى مبتغاها في أن يكون لبنان هو الرّابحَ الوحيد، والأكيد، بوجهة نظر قاطعة، وبموقف يتصدّى لِمَنْ ينفّذون مؤامرةً تُطيح بالبلد، أقربين وأبعدين، منتصِرَةً للحقّ، وللسيادة، ولكرامة الوطن بِوَصفِهِ علامةً خالدة لِمَنشَأ محبّة اللهِ إيّاه.
في مواجهة زمان صعب، مُظلِم، زجَّ البلادَ في تراجيديا الخوف والموت، ووضع النّاس في فوّهة الخطر، بمشروعٍ مشبوهٍ يهدّدُ المصير، ويدمِّرُ الكيان، تضطلعُ به همجيّةُ الغرباء، وعَمالةُ البلديّين، لم تُعطِ معراب صَكَّ براءة لأولئك، ولم تُحجِمْ عن التصدّي لمؤامرتهم الهجينة، فواجهَت، مع السياديّين النّبلاء، بأَنَفَةٍ، ورفضٍ لتمريرِ خطّةٍ تسعى لإزالةِ دولةٍ قادرة ووطنٍ حُرٍّ ينبغي توثيبُه الى واحة الأمان.
لم يكنْ بيان معراب الختاميّ صياغة إنشائيّة سطحيّة، أو ضجيجًا من دون محتوًى قَيِّم. لقد قدَّم الجتمِعون بيانًا توصيفيًّا لمجريات الأحداث، بَنَوا عليه حلولًا وطنيّةً موضوعيّة، تطرحُ مخارجَ من المأزقِ المتردّي الذي زُجَّ لبنان في أتونِه، على الرَّغم منه. وهكذا، وبفضلِ النّباهةِ والحكمة والحسّ الوطنيّ، عرضَت معراب ما يمكنُ أن يضخَّ في جسمِ البلادِ إكسيرًا جديدًا يُحيي أملًا بالخلاصِ، وبغَدٍ أفضل.
إنّ كلَّ قلبٍ ينبضُ بالإباء، يقولُ: شكرًا معراب…