لم يفاجئ “تمرد” سفير إيران في لبنان، محمد رضا شيباني، وعدم التزامه بتنفيذ قرار الدولة اللبنانية باعتباره “شخصاً غير مرغوب فيه، وإمهاله إلى الأحد الفائت لمغادرة الأراضي اللبنانية”ـ الأمر الذي لم ينّفذه ـ لم يفاجئ معظم الأوساط السياسية في لبنان. فإشارات “التمرد” على السلطات اللبنانية كانت بدأت بالظهور فور صدور قرار “طرد” شيباني من خلال “الثنائي الشيعي”، بل تحوّلت هذه الإشارات إلى خطاب تهديد وتخوين لوزير الخارجية يوسف رجّي، بالدرجة الأولى، لأنه تجرأ على هذا القرار السيادي غير المسبوق، وصولاً إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.
لم يتوقع أحد أن يسكت “النظام الإيراني” عمّا اعتبره “صفعة لبنانية غير مقبولة” بطرد سفيره من لبنان، الأمر الذي أعلنه بشكل رسمي، أمس الاثنين، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، مؤكداً أن “سفيرنا سيبقى في بيروت ولن يغادرها كما طلبت منه الخارجية اللبنانية”. في ذاكرة “الجمهورية الإسلامية في إيران”، أنها تفاخرت يوماً بسيطرتها على أربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، صنعاء وبيروت)؛ بالتالي، كان من المتوقع ألا تلتزم طهران بالقواعد الدبلوماسية وتُنفِّذ القرار بسلاسة، وفق ما تقتضيه “اتفاقية فيينا” والأصول والأعراف الدبلوماسية بين الدول، فتمرّدت على تمرد “بيروت السيادية” على عقود من الهيمنة على قرارها الحر، وخلعها “عباءة الجمهورية الإسلامية في إيران”.
في المقابل، تؤكد المعلومات والمعطيات المتوافرة، أن الدولة اللبنانية، حُكماً وحكومة ووزارة خارجية، ماضية في قرارها؛ الذي لن تتراجع عنه ولن تسمح بخدش هيبتها المستعادة على المستوى الدبلوماسي، والتي حظيت بدعم واحترام دولي وعربي وثناء على “شجاعتها” حياله، فضلاً عن الدعم الواسع من أكثرية القوى اللبنانية على المستويات الحكومية والبرلمانية والسياسية والشعبية.
القرار اتُّخذ ولا عودة إلى الوراء، والبحث اليوم هو في التنفيذ، بحسب المعلومات، حتى ولو لم يتم في المهلة المحددة وتأخر بضعة أيام، والساعون لإيجاد المخارج التي تحفظ “شيئاً من ماء الوجه للهيبة الإيرانية”، يدركون ذلك؛ مع العلم أن الدولة اللبنانية منفتحة على “وساطات بعض المحرَجين”، لأنها من الأساس لم تمارس سوى حقها السيادي ردّاً على الممارسات الإيرانية؛ التي استباحت السيادة اللبنانية طوال سنوات وحوّلت لبنان إلى ساحة للابتزاز في مفاوضاتها مع المجتمع الدولي، وتستمر في توريط لبنان بحروب مدمّرة لم تجلب عليه سوى الموت والخراب والدمار.
وتؤكد مصادر دبلوماسية مخضرمة، أنه وفقاً للأصول والأعراف الدبلوماسية و”اتفاقية فيينا” الدولية للعلاقات الدبلوماسية؛ التي “تحدد الإجراءات والضوابط الخاصة بالعمل الدبلوماسي بين الدول، وتُبيّن الحقوق والواجبات الخاصة بأفراد البعثات الدبلوماسية، وتُحدِّد مفاهيم الحصانة الدبلوماسية وقطع العلاقات..”، فإن شيباني وبعد تمرده على قرار الحكومة اللبنانية باعتباره “شخصاً غير مرغوب فيه”، ورفضه “مغادرة الأراضي اللبنانية” ضمن المهلة التي حدَّدتها له، “سقطت عنه الحصانة الدبلوماسية”.
وتوضح المصادر الدبلوماسية، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن شيباني الموجود داخل السفارة الإيرانية في بيروت، بعدما لجأ إليها، “لم يعد باستطاعته مغادرتها”، وبات يُعتبر بمثابة “لاجئ” إلى السفارة؛ التي تُعتبر أرضاً إيرانية تتمتع بالسيادة”.
وتلفت المصادر، إلى أنه يجب الانتباه إلى نقطة أساسية في هذا السياق، وهو أن “للسفارة الإيرانية حصانة دبلوماسية”، لكن ليس لسفيرها المطرود شيباني. ما يعني أن السلطات اللبنانية لا تستطيع الدخول إلى السفارة وإخراج شيباني منها وترحيله خارج الأراضي اللبنانية على الفور، لكون السفارة الإيرانية تتمتع بالسيادة داخل حرمها، شأنها شأن السفارات في مختلف دول العالم بحسب اتفاقية فيينا، لكن هذه الحصانة لا تنسحب على السفير المطرود من قبل السلطات اللبنانية”.
هنا النقطة الأبرز، وفقاً للمصادر الدبلوماسية المخضرمة. فهذا يعني أن شيباني بات “أسير” السفارة الإيرانية في بيروت وبمثابة لاجئ إليها، ولا يمكنه مغادرتها إلى أي مكان على الأراضي اللبنانية، لأن إقامته في لبنان، بموجب قرار الدولة اللبنانية، باتت غير شرعية.
تضيف المصادر: “مهما طال لجوء شيباني إلى السفارة الإيرانية، فهو ليس سوى لاجئ غير شرعي إليها، وبمجرد مغادرته “حرم السفارة الإيرانية” يصبح على الأراضي اللبنانية مقيماً بشكل غير شرعي وغير مرغوب فيه من قبل السلطات اللبنانية ومطلوب مغادرته لبنان. بالتالي، إذا خرج من السفارة الإيرانية يصبح تحت السيادة اللبنانية، وتستطيع السلطات اللبنانية أن توقفه في أي لحظة، وتقتاده إلى مطار بيروت وتقوم بإبعاده وترحيله عن الأراضي اللبنانية”.

