صحيفة نداء الوطن – العميد المتقاعد جوني خلف
في زمنٍ باتت فيه الدولة هامشًا في معادلة الوطن، جاء الصوت من معراب ليعيد قلب المعادلة، الدولة أوّلًا، وما عداها تفاصيل.
لم يكن مؤتمر اللقاء الوطني حدثًا عاديًا، بل لحظة سياسيّة فاصلة، كُسر فيها الصّمت، وسقطت فيها كلّ الأقنعة التي حاولت طويلًا تبرير واقع الشذوذ القائم في لبنان.
في معراب، لم تُستخدم اللغة الخشبية، ولم تُصَغ المواقف على قياس التسويات. قيلت الحقيقة كما هي: واضحة، صادمة، ومباشرة.
إيران و “الحزب” يتحمّلان مسؤولية الحرب التي تُخاض على أرض لبنان، والتي يدفع اللبنانيون أثمانها من أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم. وهنا، لم يعد ممكنًا الاختباء خلف شعارات أو ذرائع، لأن الوقائع باتت أقوى من أيّ محاولة تضليل. ما ميّز هذا المؤتمر لم يكن فقط في توصيفه الجريء، بل في انتقاله إلى مستوى الطرح السياسي غير المسبوق. الدعوة إلى وضع لبنان تحت الفصل السابع ليست ترفًا سياسيًا، بل صرخة مدوّية في وجه عجزٍ داخلي مزمن عن فرض السيادة، وعن حماية ما تبقّى من مؤسّسات الدولة. وفي خطوة كسرت واحدًا من أكبر المحرّمات، جاء الدعم الواضح لرئيس الجمهورية في إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
ليس من باب الاستفزاز، بل من منطلق وطني صرف، حماية لبنان، تثبيت حدوده، ومنع تحويله إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
أمّا جوهر ما صدر عن معراب، فكان في التأكيد الحاسم أن لا دولة من دون قرار واحد، ولا سيادة من دون سلاح واحد.
الدولة وحدها يجب أن تبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وأن تُنفَّذ قراراتها كما تُنفَّذ القرارات الدولية، من قرار مجلس الأمن 1701 إلى قرار مجلس الأمن 1680 وقرار مجلس الأمن 1559، كمدخل إلزامي لا رجوع عنه لاستعادة السيادة. لكن ما أعطى هذا المؤتمر بعده الحقيقي، يتجاوز المقرّرات نفسها. فما حصل في معراب لم يكن تجمّعًا حزبيًا، بل مبادرة وطنيّة بامتياز. وهنا تحديدًا، يُسجَّل لرئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع أنه لم يتصرّف كزعيم سياسي تقليدي، بل كمبادر وطني قرأ خطورة المرحلة، وقرّر أن يجمع حول فكرة الدولة كلّ من لا يزال يؤمن بها. في لحظة انقسام عموديّ، استطاع أن يفتح معراب أمام وجوه واتجاهات من مختلف الطوائف والمكوّنات، في مشهد نادر في الحياة السياسية اللبنانية، أعاد التذكير بأن لبنان لا يُبنى إلّا بالشراكة، ولا يُحمى إلّا بالدولة. وهنا بالضبط تكمن حساسية ما حصل. لأن الخطر لم يعد فقط في وجود سلاح خارج الشرعية، بل في سقوط الرواية التي تبرّره. ومع كلّ موقف واضح، ومع كلّ كلمة تُقال بلا خوف، تتقدّم فكرة الدولة، وتتراجع كلّ مشاريع الأمر الواقع. قد يحاول البعض التقليل من أهمية هذا المؤتمر، أو وضعه في إطار السجال السياسي، لكن الحقيقة أن ما حصل في معراب هو رسم خط فاصل، إمّا دولة فعلية كاملة السيادة، أو استمرار في الانهيار والتفكك. معراب لم تبحث عن تسوية، ولم تساوم على المبادئ، ولم تهادن على حساب الحقيقة. اختارت المواجهة، في وقتٍ اختار فيه كثيرون الصمت. حين تكلّمت الدولة من معراب، لم يكن ذلك خطابًا عابرًا، بل إعلان بداية مرحلة جديدة. مرحلة لا مكان فيها إلّا لدولة واحدة، بقرار واحد، وسيادة لا تُجزّأ.
ومن لم يسمع هذا الصوت بعد… فسيسمعه قريبًا.
وفي الختام، لا يمكن إلّا توجيه تحية تقدير إلى رئيس “القوات” سمير جعجع على هذه المبادرة الوطنية التي جمعت ولم تُفرّق، ورفعت منسوب الخطاب السياسي إلى حيث يجب أن يكون، في خدمة الدولة، لا فوقها ولا بديلًا عنها. في لحظةٍ كان فيها البعض يختار الصمت، اختار أن يفتح معراب على مساحة وطنية جامعة، تؤكد أن لبنان لا يزال يملك من يؤمن به، ومن يعمل من أجل استعادته دولةً كاملة السيادة. هذه ليست مجرّد مبادرة، بل هي موقف يُسجَّل، وخطوة تُبنى عليها المراحل المقبلة، في مسار طويل عنوانه الوحيد: لبنان أولًا… والدولة أولًا وأخيرًا.