صحيفة النهار – علي حمادة
تميزت الأيام الأخيرة من حرب إسرائيل و”الحزب” على أرض لبنان بعودة الجيش الإسرائيلي إلى التركيز على العاصمة بيروت. فعلى سبيل المثال حصلت يوم الثلاثاء الفائت ٤ ضربات في العاصمة وفي محيطها المباشر.
بداية على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، ثم منطقة المنصورية على مداخل بيروت لناحية قضاء المتن الشمالي، ضربتان متتاليتان الأولى على مدخل بيروت الجنوبي عند منطقة خلدة، ثم في الضاحية الجنوبية على حدود بيروت الإدارية في منطقة الجناح! هذا مؤشر على أن التركيز عاد لإلى بيروت بعد انقطاع دام أسبوعين.
وهو دليل على أن العاصمة باتت مع مرور الوقت وارتفاع مستوى النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية نقطة الثقل القيادي لـ”الحزب” الذي ينتقل إلى العاصمة، وربما سيتركز داخلها وفي قلبها وسط صمت السلطات الرسمية وعجزها عن القيام بأي خطوة من شأنها أن تُشعر أبناء العاصمة بأن للدولة حضوراً وهيبة كافيين لفرض الأمن والقانون في حدهما الأدنى.
هذا الواقع مقلق جداً للمرحلة القادمة عندما سترتفع حدة المواجهات جنوباً وفي البقاع الغربي حيث سيتعاظم حجم النزوح ليزيد من دقة الوضع، وليرفع من منسوب الغضب الكبير الذي يعتري النفوس إزاء ضعف الدولة، واكتفائها بالتفرج على انهيار سلطة الدولة، بما يذكرنا بمراحل الحرب الأهلية السيئة الذكر، عندما اختفت الدولة فجأة، وتعرض الجيش لأقسى اختبار منذ إنشائه.
وعلى الرغم من قرار تسيير الدوريات الأمنية والعسكرية داخل العاصمة، وهو خطوة إيجابية، لم يشعر المواطنون بعد بالأمان في ظل انتشار السلاح الظاهر في الأحياء المختلطة، وتزايد الاستفزازات اليومية على مختلف الصعد وبأشكال مختلفة. والمواطنون أنفسهم لا يشعرون بأن الدولة أو الأجهزة الأمنية والعسكرية تتصرف بصرامة كافية لصد الاستفزازات، ولنشر الطمأنينة في أحياء العاصمة وشوارعها.
إن هذا الواقع يمثل ثقلاً كبيراً في البلاد. وسوف يرخي بظلاله على نظرة ملايين اللبنانيين من المكونات الأخرى الرافضة لكل ما يمثله الحزب المذكور، من سياسة، وأمن، وثقافة، ونمط عيش. فبعد الحرب سوف يبدأ نقاش جدي وعميق حول مصير العيش معاً تحت سقف واحد. فمشروع “الحزب” الذي نتوقع أنه سيبقى قائماً ونشطاً بعد الحرب يجب أن يوضع على مشرحة المشروع الوطني، ومستقبل لبنان.
ووحدة لبنان ضمن الصيغة الحالية يجب أن توضع على الطاولة لنقاش هادئ على قاعدة أنه لم يعد بالإمكان التعايش مع هذا المشروع الخطر على كل اللبنانيين، ولا حتى مع صيغة ملطفة منه كالتي يعمل الرئيس نبيه بري على تظهيرها والتسويق لها. أما القوى السياسية التقليدية التي اعتادت التعايش على أساس تقاسم المغانم مع مشروع “الحزب” وصيغة “الثنائي الشيعي،” فعليها أن تعيد النظر بخياراتها لئلا يتجاوزها مزاج الشارع الغاضب من الحزب ومن المتواطئين معه أو المستسلمين له على حد سواء. حان أوان التفكير بلبنان آخر!
