#dfp #adsense

كفى كذبًا ووهمًا

حجم الخط

في كل مرة نخسر فيها من نحبهم، نحزن ونشتاق، وهذا أمر طبيعي. لكننا أبناء الرجاء والقيامة، ونؤمن بأن الموت ليس النهاية، وأن الحياة هي امتداد لما بعده. مع ذلك، يبقى سؤال موجع يلاحقنا: لماذا يبدو تراب لبنان في كل منطقة من دون استثناء وكأنه ممزوج بالدم؟ كأن هذه الأرض لا تعيش إلا إذا رُويت بدماء أبنائها!

في كل أزمة أو مخاض يمرّ به لبنان، نجد أنفسنا أمام مشهد يتكرر: ضحايا جدد، عائلات مفجوعة، وبلد يزداد تعبًا. سألنا كثيرًا: لماذا؟ لأجل من؟ ولأي قضية؟ ما عاد اللبنانيون يحتملون أسئلة من دون أجوبة، ولا يقبلون أن يعيشوا في دوامة الأكاذيب والأوهام.

من هنا، أتوجه بالكلام إلى الدولة اللبنانية، ممثَّلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. عندما تسلمتم المسؤولية، شعر كثيرون بشيء من الأمل. قلنا إن إصلاح البلاد لن يتم بين ليلة وضحاها، لكن المهم أن يكون المسار صحيحًا وأن تكون هناك إرادة جدية لإنقاذ الدولة.

غير أن ما يثير القلق هو أن اللبنانيين، منذ عقود، لا يزالون يسمعون التعابير نفسها: “الحرب الأهلية”، “السلم الأهلي”، والخوف الدائم من الانفجار الداخلي. وبين هذين المصطلحين تختبئ لغة التخوين والتجريح والتحريض. ربما في مراحل سابقة من تاريخ لبنان ساهم بعض الحكّام في تغذية هذه المخاوف واستخدامها. لكن اليوم لم يعد هذا الأمر مقبولًا إطلاقًا، خصوصًا من رأس الدولة والحكومة. مسؤوليتكم ليست تذكير الناس بالحرب الأهلية، بل تحريرهم من هاجسها.

اللبنانيون لا يريدون الحرب. هذه حقيقة واضحة. ونحن نثق بالدولة ونثق أيضًا بوعينا الجماعي. لذلك لا يجوز أن يشعر الناس بأنهم يُخَوَّفون باستمرار بشبح الحرب الأهلية. لا حرب أهلية ولا من يحزنون. ولن نسمح لأحد بأن يعيدنا إلى هذا الوهم أو أن يستخدمه لإسكات الأصوات المطالبة بالحق. كلمة الحق ستبقى تُقال، مهما كانت الضغوط، لأن هدفها ليس الفتنة، بل بناء وطن يجمع أبناءه على قاعدة المساواة والكرامة.

كما أن الحديث يجب أن يكون صريحًا مع أهلنا في المناطق المضيفة ومع أهلنا النازحين. المسؤولية مشتركة، والوعي مطلوب من الجميع. من واجبنا أن نقف إلى جانب النازحين، فهم في كثير من الأحيان ضحايا مثلنا، ضحايا صراعات ومحاور إقليمية تسير نحو نهايتها. لكن الإنسانية لا يمكن أن تكون من طرف واحد. الإنسانية الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، وعلى الالتزام بالقانون.

من يريد أن يعيش بيننا، عليه أن يكون تحت سقف القانون اللبناني: أن يبلّغ البلدية المختصة، وأن يحترم المجتمع الذي فتح له أبوابه. ففي النهاية، سنعيش جميعًا تحت سقف القانون نفسه، وعلى كامل مساحة لبنان التي تبلغ 10452 كيلومترًا مربعًا.

اليوم سقطت ضحايا جديدة: بيار معوّض وزوجته وجارتهم. لكن التحدي الحقيقي أمامنا جميعًا هو أن يكون هؤلاء آخر الضحايا، لا مجرد أسماء جديدة تُضاف إلى لائحة طويلة من المآسي. المطلوب أن نقف معًا، مضيفين ونازحين، دولةً ومجتمعًا، من دون تخويف ولا تهديد بالحرب الأهلية.

فالأمر في النهاية بسيط وواضح: من يريد أن يقاتل إسرائيل، فليذهب إلى الحدود حيث تكون المواجهة. أما تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات صراع واستخدام الناس دروعًا بشرية، فهذا ليس بمقاومة ولا بدفاع، بل جريمة بحق الوطن وأهله.

لبنان يستحق أن يعيش. ويستحق أبناؤه أن يعيشوا فيه بسلام، لا أن يبقوا أسرى الدم والخوف والانتظار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل