
خميس لبنان اليوم، مشهد جنائزي مؤلم ذكّر اللبنانيين بحقبات دامية ظنوا، “في لحظة أمل” قبل أشهر، أنها باتت ذكرى ولن تعود، قبل أن يصابوا بـ”خيبة” جديدة. فعملية “الظلام الأبدي” (Eternal Darkness) التي أطلقها الجيش الإسرائيلي بالأمس ضد “حزب إيران”، “محرقة” حقيقية نُفذت في غضون عشر دقائق بـ 100 غارة تدميرية، خلّفت وراءها ما يزيد عن 1700 ضحية بين قتيل وجريح.
هذه “الفظاعة” العسكرية تزامنت مع “خديعة دبلوماسية” كبرى؛ فبينما كانت طهران وواشنطن تتبادلان مباركة “هدنة الأسبوعين” وتتحضران لمفاوضات “إسلام أباد”، كان لبنان يُذبح وحيداً في “الساحة المنسية”، بعد أن ثبُت بالدليل القاطع استثناؤه من تفاهمات الكبار، ليُترك فريسة لآلة الموت التي استهدفت المئات من كوادر “حزب إيران” المندسين في شقق المدنيين الآمنين.
إن ما كشفته الساعات الأخيرة، من تهديدات يسرائيل كاتس المباشرة لنعيم قاسم بأن “دوره سيأتي”، وصولاً إلى إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته العملياتية التامة على القرى الحدودية، يؤكد أننا أمام “جريمة مزدوجة” الأركان. الطرف الأول فيها هو إسرائيل التي لا تقيم وزناً للأبرياء، والطرف الثاني هو “الحزب الإيراني” الذي يمارس فجوراً سياسياً منقطع النظير؛ فبعدما ورّط هذا “الحزب” لبنان في حرب “إسناد” انتحارية لوليّ أمره في طهران مطلع آذار الماضي، بعد حرب إسناده الأولى لغزة، عاد ليختبئ في قلب الأحياء السكنية المأهولة، متخذاً من دماء اللبنانيين دروعاً بشرية لمواجهة “الغارات الجراحية” التي تلاحق قياداته الفارة من معاقلها المعروفة.
لقد سقطت الأقنعة وتلاشت كل الذرائع تحت ركام الأبنية التي حوّلها “الحزب” إلى مخابئ عسكرية لقياداته، ليصبح اللبنانيون مجرد “قرابين” تُنحر على مذبح “الولي الفقيه” لتعزيز أوراق إيران التفاوضية. إنها “خيانة وطنية” موصوفة، حوّلت بيروت إلى “صندوق بريد” والمواطن اللبناني إلى مجرد رقم في عدّاد ضحايا أجندة عابرة للحدود. فبينما يهدأ العالم بصفقات “هرمز”، يشتعل لبنان ببارود “الإسناد” العبثي الذي لم يجرّ على البلد سوى المآسي والدمار والدموع.
أمام هذا الواقع الجحيمي وتوغل القوات الإسرائيلية وسيطرتها العملياتية على جنوب الليطاني وقطعه عن الأراضي اللبنانية وتغلغل الدويلة في الداخل، لم يعد “التردد الرسمي” مقبولاً أو مبرراً. الناس تسأل: أينك يا دولة من المؤمنين بك والمراهنين عليك من فجور هذا “الحزب الإيراني”؟. إن البيانات “المنمّقة” التي تصدر عن السلطة لم تعد تسمن ولا تغني من جوع؛ المطلوب اليوم هو وقفة سيادية تاريخية تُنهي حالة التخاذل وتواجه “الحزب الإيراني” بكل حزم. على الدولة اللبنانية، برؤسائها وجيشها، أن تضرب بيد من حديد لاستعادة هيبتها المصادرة، ورفع الغطاء عن “المربعات الأمنية المستترة” داخل المدن قبل أن تلتهم النيران ما تبقى من وطن.
إن استعادة القرار السيادي باتت “واجباً وجودياً”؛ فإما أن تكون لنا دولة تحمي شعبها، أو نترك لبنان يغرق في “ظلامه الأبدي” قرباناً لمصالح نظام الملالي الذي لا يرى فينا سوى ساحة مستباحة للموت.
