صحيفة النهار – علي حمادة
حرب السرديات وادعاء الانتصارات بين أميركا وإسرائيل وإيران تسببت بالأمس بمجزرة كبيرة في لبنان أقدمت عليها إسرائيل. لكن الأهمّ من حرب الانتصارات هو حرب الساحات، إذ تريد إيران، مهما كلف الأمر، أن تستعيد موقعها طرفاً مهيمناً بالكامل على الساحة اللبنانية التي كانت في العقدين الأخيرين تحت الحكم الواقعي لـ”الحزب”. والدليل على ما نقول أن الحزب المذكور سارع بعد ثمان وأربعين ساعة على نشوب الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران إلى التورط عبر إطلاق صواريخ على إسرائيل، وتالياً تفعيل محور “وحدة الساحات” في الساحة اللبنانية باعتباره منصة تستخدمها إيران عبر الحزب كخط دفاعي عن النظام في لحظة الاستهدافات الوجودية. هذا ما حصل في الثاني من آذار مع انطلاق الحرب التي وصلت إلى ذروة دموية يوم أمس إثر الغارات الإسرائيلية على كامل مساحة لبنان.
عملياً، تريد إيران من خلال الحزب المشار إليه آنفاً أن تعود جهة مهيمنة على لبنان وتشكل مصدر إزعاج لإسرائيل عبر الحزب. وتريد توريط الحزب في حرب مع إسرائيل، ثم وقف الحرب تزامناً مع حربها هي، وأن تقول إن لبنان منصتها، وكل شعارات الشرعية اللبنانية على مدى خمسة عشر شهراً، ولا سيما شعار حصر السلاح بيد الدولة، سقطت أمام الأمر الواقع الذي يمثله الحزب المتمرد بدعم إيراني مباشر. أما الحزب، فيعتبر أن هذه الحرب منحته شرعية متجددة بين جمهوره، وأعادت إليه الاعتبار المعنوي والسياسي، حتى إنه سيتمكن بعد الآن من مقاومة المطالبات اللبنانية بنزع سلاحه.
وهنا الإشكالية الكبرى بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، رئاسة وحكومة وأهالي المؤسسة العسكرية. كيف تتعامل هذه الجهات التي تمثل الشرعية والأمن والاستقرار مع هذا المعطى الجديد الذي يعكس هجوماً مضاداً يقوم به الحزب ومن خلفه إيران على القرارات السيادية، وعلى مطالب أكثرية اللبنانيين، وخلفهم المجتمع الدولي والأسرة العربية؟
نحن نعرف أن انضمام “الحزب” إلى إيران بتنفيذ متزامن لوقف النار الموقت حق يراد به باطل، على قاعدة أن الهدف ليس تجنيب لبنان ويلات الحرب، بل إعادة بلاد الأرز إلى السجن الإيراني بالدم. من هنا خطورة هذا التزامن في التورط في الحرب والامتثال لاتفاق وقف النار بما يشكل خطراً مزدوجاً على لبنان الكيان. بمعنى أن الكيان من خلال توريطه في الحرب مسلوب الإرادة والقرار السيادي من ضمن توليفة إيرانية، يصبح رهينة دائمة في قبضة السياسة الإيرانية العدوانية.
أكثر من أي وقت مضى يبقى “الحزب” تنظيماً خارجاً عن القانون ويمثل النقيض الوجودي لمنطق الدولة ولمعنى لبنان الحقيقي. وأكثر من أي وقت تمثل إيران حالة عدوانية على لبنان. وما حصل يوم أمس لا ينبغي أن يحول انتباه الحكم اللبناني عن هدف انتزاع لبنان من براثن إيران، واعتبار سلاح الحزب معادياً للبنان وكل اللبنانيين.