فرضت “هدنة الأسبوعين” بين واشنطن وطهران “لحظة الحقيقة العارية” التي سقطت فيها كل أقنعة “وحدة الساحات”. فبينما كان نظام الملالي يهرع لتبريد جبهاته المنهكة عسكرياً واقتصادياً، استيقظ “حزب إيران” في لبنان ليجد نفسه وحيداً تحت مقصلة الاستفراد الإسرائيلي، مستثنىً من التهدئة، ومتروكاً لمواجهة عملية “الظلام الأبدي” التي أكلت في دقائق ما تبقى من هيبة عسكرية وهمية.
المفارقة الصارخة هنا ليست في عدد الضحايا والجرحى الذي تخطى الآلاف، ناهيك عن حجم الدمار، بل في سلوك “الحزب” الذي، وبدل أن ينحني أمام “شلالات” الدماء البريئة وعاصفة التهجير المليوني والخراب الكارثي، اندفع بـ”فائض قوة” واهم نحو الداخل، مهدداً المعارضين ومخوناً السياديين، في محاولة بائسة لتسويق الانتحار الجماعي على أنه “انتصار إلهي” جديد.
إن المشهد اليوم يتجاوز حدود “المعركة” ليلامس حدود “الخيانة الوطنية” الموصوفة؛ فالإصرار على منطق الغلبة وتخوين الدولة التي تُذبح جراء “قرار حرب” منفرد وغير شرعي، هو قمة الفجور السياسي. لقد باتت إيران اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: فإما الانتحار من أجل “أداتها” اللبنانية والمخاطرة بنظامها المتهالك، وإما المضي في مفاوضات “إسلام أباد” وتجرع سمّ التخلي عن “الحزب” الذي استنزف الطائفة الشيعية ولبنان لأجلها، لتبدو طهران وكأنها تبيع “الوكيل” مقابل نجاة “الأصيل”.
وفي المقابل، حسمت إسرائيل خيارها بإنهاء الحالة الإيرانية العسكرية في لبنان، مدعومة بضوء أخضر أميركي ـ بعدما أُحبطت واشنطن من أداء الدولة اللبنانيةـ وبـ”سيطرة عملياتية” إسرائيلية حوّلت الجنوب إلى منطقة مكشوفة، مما يسقط كل الذرائع الواهية حول “قدرة الردع” التي تحولت إلى “رماد إسناد”.
أمام هذا المنزلق المصيري، يقف لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما:
الأول هو الاستسلام لمنطق “الانتظار القاتل”، أي ترك مصير البلاد رهينة فصيل لا يرى في الموت خسارة بل غايةـ “إذا انتصرنا نحن منتصرون، وإذا خسرنا نحن منتصرون بنيل الشهادة”!!!ـ، ولا في الدولة مرجعية بل عبئاً. لكن، إن انتظار استسلام “حزب” انتهى عسكرياً منذ لحظة توقيعه على اتفاقية 27 تشرين الثاني 2024، لن يُبقي حجراً فوق حجر، خصوصاً أن هذا الحزب أثبت أنه لا يملك قدسية للإنسان ولا هدفاً للاستقرار، بل يرى في الدمار وقوداً لمشروعه العابر للحدود
أما الخيار الثاني، وهو الممر الإجباري الوحيد للنجاة، فيكمن في أن تستعيد الدولة المبادرة وتنتزع قرارها المخطوف بـ”قبضة سيادية” حديدية. المطلوب اليوم ليس بيانات منمّقة، بل أن تبلغ الدولة، ومن أعلى مراجعها، قيادة هذا الحزب بوضوح: القرار لي في السياسة وعلى الأرض، ولن أسمح باستمرار هذه الحرب خدمة لأجندة إيران التفاوضية؛ فإما أن يعلن فوراً التخلي عن سلاحه ومشروعه، وإما أن تبادر الدولة إلى التصدي له على الأرض “ثأراً” لكرامتها وتنفيذاً لقراراتها والتزاماً بمسؤولياتها وواجباتها الدستورية والوطنية تجاه حماية اللبنانيين؛ الرافضين بغالبيتهم الساحقة لحروب “الحزب الإيراني”، بما في ذلك تفكيك بنيته العسكرية والأمنية، ولو بالقوة إن تجرأ على مواجهتها.
يقف لبنان اليوم عند الحافة الأخيرة لمفترق وجودي، حيث لم يعد هناك متسع للمناورة بين القرارات التاريخية والمسؤوليات الوطنية الملحّة. إن المهمة الأولى والوحيدة التي تتقدم على ما عداها، هي أن تسترد الدولة قرارها المخطوف من يد حزبٍ استباح دماء اللبنانيين وقامر بمستقبل بلدهم لحسابات الخارج.
لقد ضاقت الخيارات حتى انعدمت: فإما أن تستمر السلطة في دور المتفرج على فصول المحرقة التي يقودها فصيل لا يقيم وزناً للحياة ولا لقدسية الإنسان، وإما أن تلتقط الدولة زمام المبادرة لقطع دابر هذا المسار الانتحاري. إنها ساعة الحقيقة؛ فإما استعادة الهيبة ووضع حد نهائي لهذا التدمير الممنهج، أو التسليم بالارتهان و”الرقص الانتحاري” فوق ركام وطن لم يبقَ منه سوى الرماد.

