صحيفة النهار – علي حمادة
لن نستبق اليوم نتائج الجولة الأولى للمفاوضات الأميركية – الإيرانية التي تُعقد في إسلام آباد، لكن لا بد لنا من الإشارة إلى أن المعركة المشتعلة اليوم هي معركة السرديات. فالجهد الإيراني منصب بقوة على محاولة فرض سردية “الانتصار”، في وقت يصعب فيه تشكيل صورة انتصار إيراني يزعم إطلاق صواريخ، والنجاح الموقت في تفادي سقوط النظام. فعدا الإطلاقات الصاروخية التي بدأت بزخم ثم تراجعت، اقتصر زخمها الفعلي على دول الجوار بديلاً للزخم المفقود على إسرائيل.
لا يمكن القول إن المؤسسة العسكرية الإيرانية حققت نجاحات باهرة، أكان على مستوى البحرية الإيرانية التي دُمّرت عن بكرة أبيها وغرقت في أعماق الخليج العربي، أم كان على مستوى الدفاعات الجوية وسلاح الجو اللذين اختفيا عن الشاشة في الساعات الأولى للحرب.
وكان من نتائج اختفاء الدفاعات الجوية وسلاح الجو أن نجح الطيران الأميركي والإسرائيلي في “احتلال” سماء إيران وخاصة سماء العاصمة طهران وكبريات المدن من تبريز وأصفهان إلى بندر عباس ومشهد. فمن الناحية العملية إذا ما استثنينا حادثة إسقاط المقاتلة الأميركية “أف -15” جنوب مدينة أصفهان ونجاة الطيارين اللذين جرى إنقاذهما لاحقاً كان التحليق فوق الأراضي الإيرانية رحلة استجمام للأميركيين والإسرائيليين على حد سواء. وكل البروباغاندا الإيرانية لن تنجح في تغيير الصورة المهينة للجيش الإيراني والحرس الثوري التي أثبتت للمرة الثانية بعد حرب الأيام الـ12 أنه جرى احتلال سماء إيران مرتين في أقل من عام واحد!
هذه حقيقة مرة، ولا يمكن حجبها بالبروباغندا المنسوخة من زمن الدكتاتوريات الراحلة. لكن ما يدفعنا إلى التوقف ملياً للتفكير في هذه الحالة المزرية للحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية أن عملية إنقاذ الطيارين الأميركيين، تحوّلت إلى اختبار واقعي لعملية إنزال، اختراق واحتلال للأراضي الإيرانية في منطقة من المناطق الحيوية. فالعملية حصلت على مقربة نسبية من ثاني أكبر المدن الإيرانية أي أصفهان، ونجحت القوات الأميركية في عزل منطقة جغرافية في إيران بشكل تام عن سلطة النظام العسكرية والأمنية، أي أنها نجحت لعدة ساعات في سلخ مساحة وإن صغيرة من الأراضي الإيرانية عن بقية أنحاء البلاد، والاشتباك مع قوات من الحرس الثوري من دون خسارة أي رجل خلال المهمة.
وعليه شكلت هذه الحادثة اختباراً بالملموس لحملة برية أميركية تهدف إلى الاستيلاء على مواقع حيوية في البلاد المترامية الأطراف. هذا ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتبار الاختبار تجربة مقلقة للغاية للنظام الإيراني، لا سيما أن المسيّرات الإسرائيلية والأميركية سبق لها أن قامت بعمليات عسكرية داخل مدن كبرى مثل العاصمة طهران واستهدفت عناصر قوات الباسيج في الشارع. لكن ما لفت انتباه المراقبين أن عدداً كبيراً من المسيّرات المذكورة كان ينطلق من داخل الأراضي الإيرانية، ما يعني أن الأميركيين والإسرائيليين تمكنوا من إقامة قواعد عسكرية ثابتة في الداخل الإيراني. هذا بجد انتقاص خطير من السيادة الوطنية الإيرانية، ويستند إلى التفوق العسكري الأميركي – الإسرائيلي على الماكينة العسكرية الإيرانية.
أكثر من ذلك اكتشف النظام الإيراني أن اعتداءاته الصاروخية في اتجاه دول الخليج العربي لم تزعزع هذه الدول التي تعاملت إجمالاً مع الخطر بكفاءة عالية، حيث استمرّت الحياة شبه طبيعية في دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، واستطاعت هذه الدول أن تحتوي إلى حد بعيد آثار الهجمات الصاروخية وبالمسيرات، وأن تحافظ على استقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ما حال دون أن تحقق طهران الأهداف المتواصلة من الهجمات وأهمها نشر حالة من الفوضى عبر محاولة ضرب البنى التحتية الاقتصادية لهذه الدول.
سيدخل الجانب الإيراني إلى قاعة المفاوضات في إسلام آباد وهو مثخن بالجراح. سيمهد لتنازلات كبيرة عبر رفع السقوف الدعائية المخصصة للاستهلاك الداخلي في إيران نفسها على أساس أن المهم إظهار صورة انتصار، حتى لو كان النظام يعاني الأمرين من هزيمة تاريخيّة كبرى سوف تظهر نتائجها في المديين المتوسط والبعيد. وسيتنازل عن شروط عدة في مقدمها ربط “الساحات” باتفاقه مع أميركا.
صحيح أن أركان النظام الإيراني يعتبرون أن فشل التحالف الأميركي -الإسرائيلي في إسقاط النظام هو في حد ذاته انتصار كبير يستدعي الاحتفاء به. فعلى الرغم من أن إيران دمرت عسكرياً، واقتصادياً ومالياً، واستبيحت أجواؤها وأراضيها أربعين يوماً على التوالي، فإن نجاة النظام من السقوط حتى الآن هي الإنجاز الأكبر. هذا هو الحال في إيران: النظام أهم من البلد… أهم من الهواء الذي يتنفسه المواطن الإيراني المغلوب على أمره.