.jpg)
وكأن الرب شاء أن يتماهى سكان القرى الحدودية المسيحية، مع آلامه في ذكرى صلبه وقيامته. هنا القليعة، وهناك رميش وهذه دبل وتلك عين إبل، وأهلًا بجديدة مرجعيون، وهذه ديرميماس وكوكبا وغيرها وغيرها من قرى البطولة، وتلك كنائس وصلبان ترتفع فوق هامات تلك المساحات المزنّرة بالخطر، ومع ذلك تعلن على مدار الأيآم ودوام الضيق والخوف، تعلن الإيمان صمودًا من صمود المسيح على صليبه، والشجاعة من شجاعة المصلوب حين غرزت المسامير جلده وعظامه، والنقاء في الانتماء للوطن مثل نقاء الكفن الأبيض الذي حضن الرب وحوّل دماءه المطبوعة علامة الأزمان الى نهاية الدهور.
قرى مسيحية صامدة، لقنت لبنان كله وعلى عين العالم، دروسًا بالانتماء اللامتناهي للأرض، والصمود والشجاعة وتحدي المستحيل على الرغم من حصار النار والموت المباشر.
“باقيين هون، باقيين هون، باقيين هون”، هتف شبان وصبايا في القليعة، أمام الكاميرات حين كانوا في انتظار وصول موكب البطريرك الماروني والسفير البابوي، في خلال جولتهما على بعض تلك القرى، لتقديم الدعم والمساندة.
طنطنت أجراس القرى الجنوبية لقدوم البطريرك وذاك السفير البابوي المتواضع، الذي حمل أكثر من مرة، وبكل تواضع المساعدات على أكتافه، كمن يحمل صمود المسيحيين على أكتاف الفاتيكان والبابا ليون، وإن كان عاد خائبا في المرة الأخيرة التي سبقت زيارة البطريرك بيوم واحد، بسبب القصف الشديد وعلى اثر تسلل سيارات للميليشيا الى موكب السفير البابوي، ما أدى الى تعرضهم للقصف والعودة أدراجهم الى بيروت، في حين كان أهالي القرى في انتظارهم على أحرّ من الجمر لاحتياجهم للدعم المعنوي وخصوصًا الكنسي، بعدما هجرتهم الدولة كليًا، إضافة الى احتياجهم لمساعدات طبية وغذائية وما شابه.
الأربعاء 8 نيسان 2026، وفيما كانت بيروت مشتعلة بالغارات، تمكن موكب البطريرك الماروني من الوصول الى بعض تلك القرى، وهي كوكبا وجديدة مرجعيون والقليعة، “في زيارة روحية تضامنية داعمة لأبناء الكنيسة الذين لم يتركوا أرضهم، في الوقت الذي يمر فيه لبنان بأوقات عصيبة ويشهد حربًا بين إسرائيل و”الحزب على ارضه” كما ذكرت صفحة البطريركية.
منذ نحو الشهر وحين وقف الأهالي مكسوري الخاطر يودعون قوافل الجيش اللبناني وهي ترحل عنهم، وتتركهم وحيدين لمصيرهم وسط إرهاب الميليشيا الإيرانية من جهة، ووحشية القصف الإسرائيلي من جهة ثانية، شعروا ان العالم كله تواطأ عليهم وتركهم غزلانًا تسرح في البراري في حين تتبربص بها عيون الوحوش الضارية الجائعة للدماء، لتنقض عليها وتفترسها. خسروا الكثير، خسروا كاهن القليعة الأب الشجاع بيار الراعي كما خسروا شابين في عين إبل، وايضًا في رميش، ومع كل ذاك الحزن قرروا البقاء، ولأجل الأبونا الراعي حملوا صليب المسيح ومشوا في درب جلجلته، وسجدوا له حين عُلق على خشبة من علّق الأرض على المياه، وحملوا المناديل البيضاء وزينوا الصليب بالمشلح الأبيض علامة الانتصار على الموت يوم عيد القيامة، وفرحوا وهللوا لليوم الذي صنعه الرب. كانت الجمعة العظيمة يوم صلبهم، ويوم القيامة انتصارهم على محنهم، وإن كانوا لا يزالون معلّقون على الصليب مع الههم.
عندما دخل السفير البابوي مناطقهم فرحوا وهللوا، عادت إليهم روح التفاؤل بأن ثمة من يسأل عنهم ويواسيهم ويشد على آياديهم، علمًا أن السفير البابوي عاد مندهشًا مأخوذًا بشجاعة أناس كانوا هم الملهمين له بالمزيد من الشجاعة وكل ذاك الإيمان. وفي زيارة البطريرك الماروني، شعروا أكثر أن الكنيسة تخاف على أبنائها ولا تتركهم، وتطالبهم دائمًا بالمزيد من القلوب الممتلئة إيمانًا، ففي الإيمان استسلام للشجاعة وليس للخوف او الخنوع، ومسيحيو تلك القرى سطّروا للتاريخ حكاية مجد لا تُروى الا حيث أبطال يحكون وأبطال يستمعون وأبطال يعيشون الرواية حتى آخر سطورها.
هي حرب ضروس يقع فيها من يقع، لا منتصر فيها الا اصحاب القلوب النقية النظيفة بحب الوطن، وحتى اللحظة لا أبطال حقيقيون في تلك الحرب، الا أبناء القرى المسيحية الحدودية حيث هم البطل وهم الوطن وهم الأرض والبيت والحقل والنبع والنهر والجبل والبحر، وكل ذاك المجد المغزول من التواضع ومن عيون إله شاب علّمهم أن حبة الخردل المبللة بالإيمان قد تقول للجبل “زيح” فيفعل صاغرًا، لأن البطولة صمود قبل أي شيء، البطولة هي سكان القرى المسيحية الحدودية وعدا ذلك… لا في خيّالة ع الخيل ولا في بطل جايي الا أبطال القرى الحدودية الصامدون، وهذا ما قالوه للبطريرك الذي ذهب ليشجعهم، فشجعوه هم وأكدوا له “نحنا باقيين هون ومش رح نفل إلا شهدا”…
