
افتتاحية صحيفة النهار
أول مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة منذ 1983… جولة واشنطن على نار بنت جبيل والشروط
لبنان يذهب إلى افتتاح المفاوضات بمطلب وقف النار أولاً قبل بدء المفاوضات، فيما تذهب إسرائيل إليها برفض وقف النار وبتصعيد عملياتها البرية لتوسيع المنطقة الأمنية العازلة
تستضيف وزارة الخارجية الأميركية اليوم في واشنطن حدثاً تاريخياً يتمثل باجتماع مباشر بين سفيري لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لإطلاق مفاوضات مباشرة بين البلدين هي الثانية بينهما منذ عام 1983.
الحدث التاريخي هذا يكتسب دلالاته التاريخية موضوعياً من كونه أولاً التجربة التفاوضية الثانية بين لبنان وإسرائيل، وثانياً لكونه يأتي وسط حرب ساحقة يتعرّض لها لبنان، تتواجه فيها إسرائيل و”الحزب” وترتبط بتوقيتها وظروفها بالحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران. ولكن انعقاد المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي المنفصل برعاية أميركية انتزع للبنان استقلاليته التفاوضية ونزع من إيران ورقة التفاوض عنه، بما كان ليعزز نفوذها ووصايتها عبر ذراعها اللبناني “الحزب”.
وإذ تشكّل محادثات واشنطن اليوم جولة إطلاق للمفاوضات العميقة التي ستبدأ لاحقاً بوفد لبناني يترأسه السفير السابق سيمون كرم ويرجح أن تعقد جولاتها في قبرص، فإن وقائع الأرض والميدان من جهة ووقائع لبنان الداخلية من جهة أخرى، تشكل عوامل مثيرة للشكوك الكبيرة حيال ما ستحققه المفاوضات إذا قيّض لها الاستمرار من دون مفاجآت ميدانية أو ديبلوماسية تعترض مسارها.
ومع ذلك، يبدو لبنان أمام خيار حتمي لا مفر منه لكسب الثقة الدولية إلى جانبه لأنه أساساً لم يكن طرفاً في حرب فرضت عليه بفعل عوامل قاهرة معروفة، ولكن ذلك لن يعفيه من أخطر مطبات المفاوضات وهو إثبات قراره الحاسم وقدرته الواقعية على تنفيذ ما سيلتزم به في مقابل المطالب والشروط التي سيضعها على إسرائيل. ومعلوم أن لبنان يذهب إلى افتتاح المفاوضات بمطلب وقف النار أولاً قبل بدء المفاوضات، فيما تذهب إسرائيل إليها برفض وقف النار وبتصعيد عملياتها البرية لتوسيع المنطقة الأمنية العازلة التي تنوي تثبيتها راهناً، كما بمطلب نزع سلاح “الحزب” وتحقيق السلام بين لبنان وإسرائيل.
وسوف تجمع طاولة في أحد مكاتب وزارة الخارجية الأميركية اليوم في واشنطن سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر بمشاركة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ومسؤول في وزارة الخارجية الأميركية.
تبدأ جولة المفاوضات الثانية في تاريخ النزاع بين لبنان وإسرائيل على خلفية الاتفاقات والترتيبات المعقودة بينهما كما تردها “النهار” كالآتي:
اتفاقية الهدنة العامة اللبنانية- الإسرائيلية (23 آذار/مارس 1949)
وهي الوثيقة الأساسية الأولى بين الطرفين بعد حرب 1948. ونصّت على وقف الأعمال العسكرية، وعلى أن يتبع خط الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين. وهي ليست معاهدة سلام، بل اتفاق هدنة بإشراف الأمم المتحدة.
اتفاق 17 أيار/مايو 1983
وهو اتفاق أُبرم بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وكان يهدف إلى ترتيب الانسحاب والترتيبات الأمنية. لكنه لم يترسّخ كإطار نافذ ومستقر، إذ تشير وثائق الأمم المتحدة لاحقًا إلى عدم تصديق لبنان عليه، علما أن لبنان ألغاه فعلاً.
الخط الأزرق Blue Line) – 2000)
وهذا ليس اتفاقًا ثنائيًا بالمعنى القانوني التقليدي، بل خط تحقّق أممي وضعته الأمم المتحدة عام 2000 لتأكيد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. اكتسب أهمية عملية كبيرة لأنه صار المرجع الميداني الأساسي في تقارير الأمم المتحدة وفي تقييم الانتهاكات.
اتفاق/ تبادل الرسائل لترسيم الحدود البحرية (27 تشرين الأول/أكتوبر 2022)
هذا الاتفاق هو الأحدث والأوضح من الناحية القانونية بين لبنان وإسرائيل. سُجّل لدى الأمم المتحدة باعتباره “تبادل رسائل يُشكّل اتفاقًا بحريًا” بين الدولتين، وحدّد الحدود البحرية بينهما.
5. تفاهم وقف الأعمال العدائية (27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024)
هذا أيضًا ليس معاهدة سلام، بل ترتيب لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل أُبلغ إلى مجلس الأمن، واعتبرته الأمم المتحدة خطوة مهمة نحو تنفيذ القرار 1701.
وعشية محادثات واشنطن لم تكن مواقف القادة الإسرائيليين أقل عنفاً من المعارك الميدانية التي احتدمت في جنوب لبنان مع بلوغ معركة السيطرة الإسرائيلية على مدينة بنت جبيل مراحلها المتقدمة.
ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أنّ “القتال سيستمرّ في لبنان”، و”التركيز اليوم على القتال في بنت جبيل”، وأضاف: “لم نعد نتحدث عن 5 مواقع إنّما عن حزام أمني متين وعميق في جنوب لبنان لإزالة خطر الغزو من جانب “الحزب” وإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع”. وتوعّد بأن “يسيطر الجيش على القرى التي كان الحزب مهيمناً عليها وسيعمل على تدميرها”.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته تطوّق مدينة بنت جبيل، بعد مواجهات قال إنها أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر “الحزب”.
وتكتسب بنت جبيل رمزية خاصة تتجاوز أهميتها الميدانية، إذ ألقى فيها الأمين العام السابق للحزب نصر الله، “خطاب التحرير” في 26 أيار 2000، غداة انسحاب الدولة العبرية من جنوب لبنان إثر احتلال دام 22 عاماً.
وقال نصرالله الذي اغتالته إسرائيل في 2024، في هذا الخطاب عبارته الشهيرة، إن “إسرائيل هذه والله هي أوهن من بيت العنكبوت”.
وقال الجيش الإسرائيلي أمس، إن “الفرقة 98 أنجزت تطويق بلدة بنت جبيل وبدأت هجوماً عليها”، مضيفاً أنها قامت “بتصفية أكثر من 100 عنصر إرهابي من الحزب خلال اشتباكات وجها لوجه ومن الجو”.
ونقلت رويترز عن مسؤول عسكري إسرائيلي أنه “سيتم فرض السيطرة العملياتية الكاملة على بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان في غضون أيام”. وزعم المسؤول العسكري الاسرائيلي بأن “قدرات الحزب باتت محدودة في بنت جبيل ولم يعد بإمكانه شن هجمات على التجمعات السكنية في شمال إسرائيل انطلاقاً من هذه المنطقة”.
وفي غضون ذلك كان “الحزب” يعلن استهداف مستوطنة كريات شمونة وثكنة زرعيت وتجمّعات للجيش الإسرائيلي في عين إبل وبنت جبيل، كما اعترف الجيش الإسرائيلي بإصابة ثمانية جنود بانفجار مسيّرة في جنوب لبنان.
وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي ايلا واوية أنه “في أعقاب متابعة استخباراتية متواصلة من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية منذ تنفيذ الضربة الأكبر في لبنان ضمن عملية “زئير الأسد” في 8 أبريل 2026، يؤكد جيش الدفاع الإسرائيلي أنه تم تجاوز عتبة 250 مخربًا تمت تصفيتهم في هذه الضربة في بيروت، البقاع وجنوب لبنان”.
وأضافت أن “القادة الذين تمت تصفيتهم في الضربة كانوا مسؤولين عن تشغيل مجمل منظومات منظمة الحزب، مع التركيز على قدرات النيران، الاستخبارات والدفاع، ومن بينهم: حسن مصطفى ناصر – قائد هيئة الدعم اللوجستي في الحزب، علي قاسم، أبو علي عباس وعلي حجازي – قادة كبار في وحدة الاستخبارات التابعة للحزب . أبو محمد حبيب – نائب قائد قوة الصواريخ في الحزب”. وأشارت إلى أنه “إلى جانب هؤلاء، تمت تصفية مسؤولين عن مجالات المدفعية والدفاع في وحدات مختلفة تابعة لمنظمة الحزب”.
على الصعيد الديبلوماسي، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني بعد زيارته أمس لقصر بعبدا أنه “من المهم جدًّا أن تُثمر اللقاءات التي تبدأ اليوم في واشنطن وقفًا لإطلاق النار”، معرباً عن استعداد إيطاليا لاستضافة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل للتوصّل إلى حالة استقرار.
وقال: “هدف إيطاليا بناء السلام والوصول إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان والحوار بينهما أمر إيجابي جداً”. وأوضح أنه توافق مع رئيس الجمهورية جوزف عون على نقاط عديدة، و”نأمل أن تتوقف معاناة المدنيين في لبنان في أقرب وقت ممكن”. وأكد “أننا ندعم المؤسسات اللبنانية، بدءاً من رئاسة الجمهورية، ونعمل من أجل تعزيز قدرات الجيش اللبناني من خلال البعثة الثنائية الإيطالية العسكرية”.
وأعلن أن “إيطاليا تدين هجوم الحزب العسكري على إسرائيل، لأن ذلك يعيق عملية إحلال السلام، ونعوّل على دور الجيش اللبناني لضمان الوحدة والاستقرار في لبنان”.
***********************************************
افتتاحية صحيفة نداء الوطن
لبنان يُحطّم “جدار الممانعة”: التفاوض والسلام حق حصري
بين قبضة الحصار البحري الأميركي حول مضيق هرمز، وانتظار مآلات الحرب الدبلوماسية – العسكرية بين واشنطن وطهران، يخطف لبنان الأضواء بحدثٍ تاريخي يكسر “فوبيا مزمنة” كرستها “الممانعة”. فعلى مدى عقود، كان ممنوعًا عليه أن يفاوض مباشرةً أو يطرح السلام انطلاقًا من هواجسه الوجودية المتحررة من قبضة “نظام الأسد” سابقًا و “الجمهورية الإسلامية” لاحقًا. وبمعزل عن نتائج الجولة الأولى من التفاوض وملحقاتها، وسواء كُتب لها النجاح نسبيًّا أم لا، فإن الخطوة بحدّ ذاتها هي إعادة تصحيح وتعريف للمصلحة الوطنية وفقًا لحساباتها السيادية المنسجمة مع المسار العربي – الإقليمي، والمتحررة من الأغلال الأيديولوجية، أكانت في حلتها “القومية البعثية” الغابرة أو في صيغتها “الخمينية” في ما بعد.
رهان لبناني على الوسيط الأميركي
اليوم، عند الساعة الحادية عشرة صباحًا بتوقيت واشنطن، والسادسة مساءً بتوقيت بيروت، يسقط جدار الخوف الذي طالما هيمن على لبنان الرسمي؛ ففي العاصمة الأميركية يجلس سفيرا لبنان وإسرائيل، ندى حمادة معوض ويخيئيل لايتر، وجهًا لوجه إلى طاولة واحدة، تحت إشراف السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ومستشار وزير الخارجية الأميركي مايكل نيدهام. وفي مفارقة رمزية، يأتي تاريخ 14 نيسان 2026 ليطلق “قطار السلام” غداة ذكرى 13 نيسان 1975 و “بوسطته” المشؤومة.
في السياق، أفاد مصدر سياسي رفيع لـ “نداء الوطن” بأن “اليوم يشكّل محطة مفصلية في تحديد مسارات التفاوض المباشر بين البلدين”، مشيرًا إلى أن “اجتماع السفراء الثلاثة سيؤدي دورًا حاسمًا في رسم الإطار العام للمفاوضات وتحديد نقطة انطلاقها، سواء لجهة توقيت إطلاقها أو طبيعة الملفات التي ستُطرح على الطاولة في المرحلة الأولى”.
وأوضح المصدر أن “الصورة لا تزال ضبابية حتى الآن، في ظل تباين واضح في المقاربات بين الجانبين، إذ يتمسك لبنان بضرورة أن يسبق أي لقاء مباشر بين الوفدين، والذي يُرجّح أن يُعقد في قبرص، التوصل إلى هدنة ولو موقتة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لتهيئة المناخ السياسي والأمني الملائم لإطلاق مسار تفاوضي متوازن، في حين يدفع الجانب الإسرائيلي باتجاه حصر التفاوض بملف نزع سلاح “الحزب”، مع الإبقاء على الضغط العسكري قائمًا، بما يعني عمليًّا التفاوض تحت النار”.
وأشار إلى أن “هذا التباين يعكس صراعًا أعمق على طبيعة المرحلة المقبلة، حيث يسعى لبنان إلى تثبيت مقاربة شاملة تتيح بحث مختلف الملفات الخلافية ضمن سلة واحدة، بينما تحاول إسرائيل فرض أجندة أحادية تركز على البعد الأمني من زاوية مصالحها المباشرة، متجاهلة التعقيدات الداخلية اللبنانية والتوازنات الإقليمية المحيطة”.
بالتوازي، أكد المصدر أن “لبنان يراهن بشكل كبير على دور الوسيط الأميركي في تقريب وجهات النظر، لا سيما في ما يتعلق بإقناع إسرائيل بقبول هدنة أولية تشكّل مدخلًا إلزاميًا لإطلاق التفاوض”، معتبرًا أن “نجاح اجتماع السفراء في انتزاع مثل هذه الموافقة سيؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي السياسي، تتيح الانتقال إلى بحث بنود جدول الأعمال بشكل تدريجي وتوافقي”.
وشدد المصدر على أن “نتائج هذا الاجتماع ستحدد ليس فقط شكل المفاوضات، بل أيضًا سقوفها السياسية والأمنية، ما يجعل الساعات المقبلة حاسمة في تقرير ما إذا كان المسار سيتجه نحو احتواء التصعيد أو نحو تثبيت معادلة التفاوض تحت الضغط العسكري”.
كما تفيد مصادر مواكبة من واشنطن “أن الاجتماع قد لا يتجاوز الساعة، حيث يُتوقع أن يطل وزير الخارجية ماركو روبيو بتصريح، وذلك قبيل اجتماعه المقرر بنظيره المصري بدر عبد العاطي”.
قاسم “يُحرّم” التفاوض
في الوقت الذي استدرج فيه “الحزب” اللبنانيين وأهل الجنوب إلى أعتى دوامات الحروب، خرج أمينه العام الشيخ نعيم قاسم أمس ليعلن رفضه التفاوض المباشر مع إسرائيل، متجاهلًا أن أولياء أمره في “الحرس الثوري” لم يجدوا حرجًا في خوض مفاوضات مباشرة مع واشنطن في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وما يزيد من هزلية منطق قاسم هو وصفه للتفاوض المرتقب بـ “العبثي”، في مفارقةٍ صارخة مع واقع النازحين المشردين على الطرقات وتساقط ميادينه أمام التوغل الإسرائيلي جنوبًا بفعل حربه “المدروسة”. وبانفصال تام عن الواقع، تذرّع قاسم بالحاجة إلى “إجماع وطني”؛ وهو الذي لم يستأذن الدولة حين قرر منفردًا فتح جبهة “إسناد” أدت إلى سحق الجنوب وتدمير حواضره بشكل غير مسبوق.
ردّ رسمي حاسم
“فيتو” قاسم ضد المسار الدبلوماسي، استدعى ردًّا رسميًّا حاسمًا، إذ كشف مصدر رئاسي لـ “نداء الوطن”، أن حراك الدولة في واشنطن هو محاولة لإنقاذ ما تبقى ووقف حمام الدم، مؤكدًا أنه “لولا مغامرة الحرب لما احتجنا أصلًا لهذا التفاوض”. وشدد المصدر على أن الدولة لا تذهب لتقديم تنازلات، بل لتصحيح خطيئة ارتكبها غيرها، وحماية سيادة لبنان على كامل ترابه، سعيًا لإخراج البلاد من نفق الورطة التي فُرضت عليها. أما وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي فشدد عبر منصة “أكس” على أن “إرساء هذا المسار قد كرّس فعليًا الفصل بين الملف اللبناني والمسار الإيراني. وخلال تلقيه اتصالًا هاتفيًا من وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول، الذي أعرب عن دعم بلاده الراسخ للجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية في سبيل بسط سيادتها وتحقيق الاستقرار، أكد رجّي، أن الدولة اللبنانية تحتكر وحدها قرار التفاوض باسم لبنان، في رسالة واضحة تُعيد تثبيت مبدأ السيادة الوطنية في قلب الدبلوماسية اللبنانية”.
من جانبه، علّق المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في منشور له على حسابه عبر منصة “أكس” على تصريح قاسم، حيث قال الأخير: “مقاومونا حاضرون في الميدان وسنواجه حتى آخر نفس وهم يسطّرون أعظم الملاحم… نحن منتصرون في كل لحظة رغم التضحيات الكبرى”، فنشر أدرعي صورًا لعناصر من “الحزب” تستسلم للجيش الإسرائيلي.
ورقة الميدان في يد إسرائيل
وفيما تتسارع عقارب الساعة نحو لقاء واشنطن، يندلع سباقٌ محموم بين الدبلوماسية والميدان، إذ نقل مصدر رسمي لـ “نداء الوطن” أن معركة بنت جبيل باتت تشكل منعطفًا أساسيًا؛ فالتقدم الإسرائيلي نحو احتلالها سيعزز استراتيجية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتقال من “التفاوض تحت النار” إلى “التفاوض تحت الاحتلال”. وأوضح المصدر أن “فرض الأمر الواقع في الميدان يهدف بوضوح إلى إضعاف الموقف اللبناني التفاوضي”، لافتًا إلى أن “الكلمة الفصل تبقى لما ستسفر عنه أروقة واشنطن، وما إذا كان الجانب الإسرائيلي سيمنح ضوءًا أخضر لهدنة مرتقبة أم سيمضي في التصعيد”.
إلى ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي أمس، أن قواته تطوّق مدينة بنت جبيل، بعد مواجهات قال إنها “أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر الحزب”. وأضاف أن “الفرقة 98 أنجزت تطويق بنت جبيل وبدأت هجومًا عليها”، مضيفًا أنها قامت “بتصفية أكثر من 100 عنصر إرهابي من الحزب خلال اشتباكات وجهًا لوجه ومن الجو” وفق بيانه. وأضاف أنه دمّر كذلك “عشرات البنى التحتية الإرهابية وعثر على مئات الوسائل القتالية في المنطقة”.
في المقابل، يؤكد “الحزب” أن مقاتليه يخوضون منذ أيام اشتباكات مع القوات الإسرائيلية في بنت جبيل الواقعة على مسافة نحو 5 كيلومترات من الحدود. وتكتسب المدينة رمزية خاصة تتجاوز أهميتها الميدانية، إذ ألقى فيها الأمين العام السابق نصر الله، “خطاب التحرير” في 26 أيار 2000، وقال عبارته الشهيرة إن “إسرائيل هذه… والله هي أوهن من بيت العنكبوت”، غداة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان إثر احتلال دام 22 عامًا.
***********************************************
افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط
لبنان وإسرائيل نحو «مواجهة دبلوماسية» حول وقف النار
اجتماع قصير الثلاثاء تمهيداً لمفاوضات قريبة في قبرص
واشنطن: علي بردى
يخوض لبنان وإسرائيل الثلاثاء غمار محاولة دبلوماسية بوساطة الولايات المتحدة للتغلب على عقود من العداء الدامي بينهما، عبر اجتماع تمهيدي يعقد وجهاً لوجه بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، كمقدمة لمفاوضات لاحقة يمكن أن تستضيفها قبرص.
ووسط مساعٍ مكثفة في واشنطن لفصل المسار اللبناني-الإسرائيلي عن المسار الأميركي-الإيراني، يمثل إدارة الرئيس دونالد ترمب في الوساطة كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، والمستشار في وزارة الخارجية مدير مكتب تخطيط السياسات مايكل نيدهام، المقرب للغاية من وزير الخارجية ماركو روبيو. ونيدهام، هو خبير استراتيجي في السياسة الخارجية، وعمل لست سنوات كبير الموظفين لدى روبيو عندما كان سيناتوراً ونائباً لرئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي.
تعليمات بوقف إطلاق النار
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر طلب عدم نشر اسمه أن السفيرة حمادة معوض «لديها تعليمات واضحة» من الرئيس اللبناني جوزيف عون «للمطالبة بوقف إطلاق النار» بين إسرائيل و«الحزب» وسط أنباء عن تسجيل دعوة إسرائيل إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها منذ بدء الغزو الإسرائيلي في مطلع مارس (آذار) الماضي. وتوقع المصدر ألا يتجاوز الاجتماع «مدة عشر دقائق».
ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، ويؤكد أن إسرائيل ستنشئ حزاماً أمنياً بعرض ثمانية إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وعندما سُئل عما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا على تقليص الغارات الجوية في لبنان قبل المحادثات، رفض ليتر مناقشة «القضايا العملياتية» للجيش الإسرائيلي. وأضاف أن حكومته ستكون متعاونة مع جهود الرئيس دونالد ترمب، وستدعمها فيما يتعلق بالحرب مع إيران. وشدد على ضرورة تركيز الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «الحزب».
ويتوقع مراقبون حصول مواجهة دبلوماسية لإقرار مبدأ وقف النار، وعدم الاكتفاء بـ«خفض التصعيد» إلى المستويات التي سبقت بدء الحرب في مطلع مارس الماضي.
سيادة لبنان
وإذ أمل في أن يعزز مسار التفاوض المنفصل عن إيران الجهود الخاصة بتعزيز السيادة اللبنانية، عبر رئيس مجموعة العمل الأميركية للبنان أد غابريال عن «خيبة أمل» حيال رفض إسرائيل وقف عملياتها العسكرية.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، أكد غابريال أن المجموعة التي تحظى بنفوذ واسع في واشنطن العاصمة وتدافع بقوة عن مصالح لبنان في الولايات المتحدة «تدعم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل»، واصفاً المسار الدبلوماسي المنفصل عن إيران بأنه «سبيل أقوى لتحقيق السيادة من دمج مصير لبنان في عملية وقف النار الأوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وإيران».
وحرص غابريال على التمييز بين المناصرة والمشاركة المباشرة، فقال: «ليس لدينا دور مباشر في تقديم المشورة للمفاوضين»، لكنه أضاف أن المجموعة تسعى جاهدة لإجراء محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل «منذ الصيف الماضي»، كاشفاً أنه عمل مع الأطراف الثلاثة -اللبنانية والإسرائيلية والأميركية- لخلق زخم للمفاوضات المباشرة. وقال: «دافعنا عن ذلك أمام كل الأطراف الثلاثة».
عيسى وهاكابي
وأشاد غابريال بإدارة ترمب في التعامل مع الأعمال التمهيدية للمفاوضات، مُثنياً على الدور الاستثنائي الذي اضطلع به السفير عيسى. وقال: «يسرنا أن إدارة ترمب، بقيادة السفير ميشال عيسى، عملت بجد خلال الأشهر القليلة الماضية لتهيئة الأرضية لمثل هذه المفاوضات. ونُثني على جهودها الدؤوبة».
وهو كان يشير بصورة خاصة إلى الدور الذي قام به كل من السفير عيسى، والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، بتعليمات من الرئيس ترمب، لتحقيق هدف المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
وعبر غابريال عن دعمه لإنشاء لبنان وإسرائيل مساراً تفاوضياً ثنائياً منفصلاً عن العملية التي تتوسط فيها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، عازياً السبب إلى الدفاع عن السيادة اللبنانية. قال: «نعتقد أن الأهم بالنسبة للحكومة اللبنانية هو تأكيد حقوقها السيادية كدولة، والعمل مباشرة مع الطرف الآخر، وعدم الانخراط في عملية تجري تحت سيطرة إيران»، محذراً من أن إقحام لبنان في المسار الإيراني سيُخضع مصالح بيروت لمصالح طهران، مما يُقوّض استقلالية الحكومة اللبنانية التي سعت جاهدة لترسيخها.
ورداً على سؤال عن اقتراح كل من الرئيس عون ورئيس الوزراء نواف سلام اعتماد «النموذج الباكستاني» في الاجتماعات بين لبنان وإسرائيل، أي وقف النار أولاً، ثم إجراء مفاوضات جوهرية، قال غابريال: «نشعر بخيبة أمل كبيرة لعدم ربط إسرائيل وقف النار بالمفاوضات المباشرة» مع لبنان.
ومع ذلك، لم يدع غابريال صراحة إلى وقف المحادثات، بل اعتبرها الوسيلة الوحيدة المتبقية لوقف القتال. وأضاف: «نعتقد أن السبيل الوحيد الآن نحو وقف النار هو بدء المفاوضات المباشرة، حتى يتسنى لهم طرح أهمية وقف إطلاق النار الفوري».
ويستند منطق مجموعة العمل إلى أن وقف النار ربما لن يسبق المفاوضات، مؤكداً مع ذلك أن «السبيل الوحيد للمضي في هذه المرحلة هو عبر المفاوضات المباشرة، لا عبر الأعمال العدائية».
***********************************************
افتتاحية صحيفة الديار
عشية التفاوض… اجندات متضاربة وخطر اليوم التالي؟
تحذير من «فخ» وقف النار… وبري لعدم حرق المراحل!
عشية بدء التفاوض المباشر بين السلطة السياسية اللبنانية والعدو الاسرائيلي، تبدو الأوضاع شديدة التعقيد على المستوى الإقليمي والداخلي. بدء الولايات المتحدة حصارا بحريا على ايران، بعد انهيار مباحثات اسلام اباد، يضع كل السيناريوهات على الطاولة بما فيها عودة الحرب. لبنانيا، لا يقين حتى الان عن حجم التكلفة المفترضة لقرار الذهاب الى تفاوض مباشر قبل وقف النار في ظل تباين واضح في مقاربة الجانبين اللبناني والإسرائيلي لاهداف الجلسة الاولى من المحادثات، حيث يضع الاسرائيليون لائحة شروط هي اقرب الى الاستسلام، للعبور الى اتفاق سلام، فيما يصر رئيس الجمهورية جوزاف عون على عدم الدخول في اية تفاصيل قبل الحصول على وقف تام لاطلاق النار. اي ان جلسة الغد لبنانيا، ليس بدءا للتفاوض، وانما وضع جدول اعمال للتفاوض المقبل شرطه الاول وقف النار.
ابتزاز اسرائيلي!
علما ان مفهوم وقف العمليات العدائية يبقى مبهما في ظل تفسيرات متباينة لهذا المفهوم، وبحسب مصادر مطلعة على المناقشات الدائرة في كواليس التحضيرات لجلسة واشنطن، فان رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو يجهد للتذاكي على الطرف اللبناني ويتعامل بخبث مع الملف، فهو ميدانيا يحاول ابتزاز لبنان من خلال فرض وقائع برية على الارض من خلال توسيع النطاق الجغرافي واعلن بالامس عن النية لاقامة حزام امني يكون ورقة مقايضة على ما هو ابعد من وقف النار. ووفق التصور الاميركي- الاسرائيلي قدمت «اسرائيل» تنازلا جوهريا قبل بدء التفاوض عبر تحييد بيروت والضاحية الجنوبية من القصف وعلى الجانب اللبناني الان تقديم خطوة في المقابل؟!
اتصالات رئاسية مكوكية
ولهذا تتركز الاتصالات الاقليمية والدولية التي يقوم بها رئيس الجمهورية مع الاميركيين، والمصريين، والفرنسيين، على تفكيك الصيغة التفاوضية المعروضة وعدم دمج المراحل لمحاولة كسر التعنت الاسرائيلي، والحصول في الجلسة الاولى على التزام اسرائيلي باعلان وقف النار بضمانة اميركية، والا لن يكون لبنان قادرا على استكمال العملية التفاوضية «تحت النار». الا ان المشكلة الرئيسية تبقى في الضغوط الاميركية التي تطالب الدولة اللبنانية بافعال لا اقوال، وفي هذا السياق، لفتت تلك الاوساط الى تذكير الرئيس عون بالامس بالإجراءات الامنية التي اتخذتها الحكومة في مطار بيروت والمعابر الحدودية والبحرية لمنع تهريب السلاح او تدفق الاموال غير الشرعية، لم تلق الصدى الايجابي المطلوب لدى الاميركيين حيث اشاد السفير ميشال عيسى الذي ينسق الترتيبات للقاء واشنطن، بهذه الخطوات، لكنه ابلغ الجانب اللبناني ان مصداقية الدولة على المحك بعدما اخفقت في نزع السلاح جنوب الليطاني، والمطلوب من الان وصاعدا تحرك جاد وفاعل لتفكيك الجناح العسكري للحزب ، وهو ما يسميه الإسرائيليون «بادرة حسن نية».
«فخ» وقف النار؟
في المقابل حذرت مصادر دبلوماسية عربية لبنان من مغبة عدم الحصول على تفسير واضح لوقف النار، اذا وافق الإسرائيليون على ذلك. ووفق المعلومات، ابلغ الاميركيون الوسطاء ان ما يريده الاسرائيليون هو العودة الى ما قبل اندلاع الحرب الاخيرة، اي الابقاء على حرية العمل العسكري والاستهدافات المنتقاة ،مع الابقاء على احتلال القرى والمدن اللبنانية الى حين توقيع اتفاق «سلام» او ترتيبات امنية لا تزال شروطها صعبة للغاية على لبنان.
شروط الحزب
وفي هذا السياق، لا تبدو المعضلة فقط على طاولة التفاوض في واشنطن وانما في الداخل اللبناني، ووفق مصادر سياسية بازرة،ابلغ الحزب كل من راجعه في ملف التفاوض، بالتاكيد على الرفض القاطع لما يسميه «خطيئة» السلطة الجديدة، باعتباره قرارا غير دستوري، وغير قانوني، ويناقض صيغة الوفاق الوطني، في المقابل يصر الحزب على ما يسميه «وقف العدوان» وليس وقف النار، بمعنى آخر لا للعودة الى فترة الـ15 شهرا الماضية، واي تفاهم يجب ان يشمل وقفا تاما للنار، وترتيبات لانسحاب اسرائيلي من الاراضي المحتلة، وعودة النازحين، واطلاق الاسرى، وكل ما دون ذلك لا يعني الحزب بشيء، اي ان المقاومة لن تتوقف عن اطلاق النار قبل التزام «اسرائيل» بهذه الشروط، لان غير ذلك يعني استدامة الاحتلال، وبقاء لبنان تحت النار، وهذا استسلام لن يتم القبول به.
مخاطر «اليوم التالي»؟
وأمام هذه التعقيدات، تشير مصادر نيابية الى ان المخاوف كبيرة جدا من «اليوم التالي» للتفاوض في واشنطن، فالامر شديد الخطورة، ومع افتراض حسن نوايا «اسرائيل»، وهو امر غير وارد، لكن اذا التزمت وقف النار كما تريد الدولة اللبنانية، فان الامر سيكون مشروطا برزنامة عمل مطلوبة من الحكومة اللبنانية، وقد تكون مقيدة بفترة زمنية معينة لنزع سلاح الحزب. هنا ستكون الدولة امام خيار من اثنين، اما الذهاب الى التنفيذ والدخول في صدام داخلي، او عدم القدرة على الالتزام وعندها ستكون «اسرائيل» بحل من الاتفاق، ولن تتوانى عن تحميل الدولة اللبنانية المسؤولية، وعندها لن يكون تحييد المرافق التحتية للدولة ممكنا بغياب أية ضمانات أميركية جدية؟!
مسألة فصل المسارات
وفي هذا الاطار، استغربت تلك المصادر، كلام وزير الخارجية يوسف رجي عن نجاح لبنان في فصل المسارين اللبناني والايراني، وتساءلت عن اهمية هذا الانجاز في ظل عدم امتلاك لبنان اي ورقة قوة تفاوضية، وعدم قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها خصوصا انها لا تملك قرار السلم والحرب. كما يبدو مستغربا كيف تعتقد الدبلوماسية اللبنانية ان ما يجري على الجبهة الايرانية لن يؤثر على الجبهة اللبنانية!
تفاهم على ضبط الشارع
في هذا الوقت، لا تزال المعارك على اشدها جنوبا، صواريخ وعمليات المقاومة لم تتوقف، وسط تكثيف اسرائيلي للغارات الجوية، وزيادة زخم العملية البرية لتحقيق انجازات ميدانية خصوصا في مدينة بنت جبيل، علما ان المقاومة سبق واعلنت انها لا تقاتل للحفاظ على الجغرافيا، وانما تبني استراتيجيتها على تكبيد جيش العدو اكبر الخسائر الممكنة ومنعه من التثبيت. اولوية هذه المعركة وتداعياتها الداخلية افضت الى توافق بين كافة الاطراف السياسة الفاعلة على تبريد الاجواء ومنع انزلاق الامور الى فوضى داخلية بعد ان كادت الاحتجاجات الشعبية في بيروت على قرار التفاوض، تتحول الى صدام في الشارع. ووفق مصادر مطلعة، ساهمت الاتصالات بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، على قلتها، الى التفاهم على ضبط الامور، وسعى بري الى توسيع مروحة الاتصالات مع الفعاليات السنية بدءا برئيس الحكومة نواف سلام لمنع انزلاق الامور الى الاسوأ، وابلغه الاخير انه سيؤجل الزيارة الى واشنطن للمساهمة في ضبط الموقف.
ماذا يريد بري؟
ووفق تلك الاوساط، اختار الرئيس بري عدم حرق المراحل في التعامل مع ملف التفاوض، واتفق مع الحزب على البقاء في الحكومة راهنا، الاولوية الان لمواجهة العدو، لا احد يمكنه ان يذهب الى السلام دون الشيعة، واذا كان رئيس الجمهورية قادرا على تامين وقف للنار، «الاتكال على الله».