صحيفة النهار ـ نبيل بومنصف
تُظهر مراجعة متعمقة لكل الحقب والتجارب التي خاضها لبنان في نزاعه الطويل مع إسرائيل، والتي أدت إلى إبرام اتفاقات أو تفاهمات أو صدور قرارات أممية عن مجلس الأمن الدولي، حقيقة صادمة مستدامة عمرها من عمر نشوء الدولة والجمهورية، هي أنه غالبا ما لم يكن يحكم السيطرة على قراره، فكيف باللحظة الراهنة؟ ولعلّ المصادفة اللافتة تبرز في أن لبنان ذهب البارحة إلى تجربته التفاوضية المباشرة الثانية مع إسرائيل بعد تجربة اتفاق 17 أيار 1983 غداة الذكرى الـ٥١ للحرب الكبيرة التي أشعلته بفعل الحرب الفلسطينية – اللبنانية أساسا، كما لو أن رمزية التذكير بما مر فيه هذا البلد تملي خلاصات ما لدى افتتاح مفاوضات شاقة مع إسرائيل، لئلا ينقلب الخيار التفاوضي إلى أزمة إضافية تعقّد أحوال لبنان بدل انتشاله من القعر الذي يتخبط فيه.
تظهر المراجعة المتعمقة لحقب المفاوضات والاتفاقات واقعا تاريخيا لا يمكن أيّ فريق داخلي التنكر له، هو أن لبنان بعد تفكك الدولة عقب حرب ١٩٧٥ صار أشد ضعفا بمئات الأضعاف مما كان عليه قبل تلك الحرب، بدليل أنه لم يكن مرة من موجب للتفاوض مع إسرائيل ما دام لبنان أبرم معاهدة الهدنة معها عام ١٩٤٩، والتي للمفارقة، أبرمت في عهد الجمهورية الأولى بعد الاستقلال، وظلت وما زالت حتى اللحظة الاتفاق المرجعي الأساسي الصالح لضبط الوضع بين لبنان وإسرائيل واحتوائه حتى إشعار آخر. وقعت سقطة تاريخيّة اسمها اتفاق القاهرة في نهاية الستينيات من القرن الماضي وأفضت إلى تفجير لبنان، بما أدى تباعا إلى تسلسل الحروب والاجتياحات الإسرائيلية وأنصاف الاتفاقات والتفاهمات معها، وكان أقربها كاتفاق بمعايير مرجعية أكبر من اتفاق الهدنة، اتفاق 17 أيار 1983، لكنه مات في مهده لأن الدولة آنذاك لم تقوَ على حماية توقيعها أمام فتن داخلية أُشعلت في وجهها بدفع خارجي داعم لقوى تحالف فلسطيني لبناني مناوئ للسلطة وتحالف القوى الداعمة لها.
أما في مسار الخط البياني للاتفاقات والتفاهمات التي تعاقبت منذ فجر الطائف حتى الساعة، فتتبدل ظروف المنطقة رأسا على عقب ولا تتبدل إطلاقاً “ثابتة” كارثية في لبنان هي الخوف من ارتدادات أيّ تفاوض أو اتفاق على الداخل، لا لأن ملائكة تقويض الدولة لم ولن يتبدلوا يوما، بل لأن لبنان استعصت فيه معادلة قيام دولة تحمي المصالح العليا للبنانيين وتقيم شبكة حماية للأمن الداخلي والأمن الحدودي على امتداد الحدود الجنوبية والشرقية والشمالية. وتاليا، تغدو رحلات المفاوضات بعد الحروب أو المعارك أو الاشتباكات مع إسرائيل، أشبه بحقول ألغام تعرف أين تدوس الخطوة الأولى فيها وتجهل تماما ماذا يتربص بك مع الخطوة التالية.
أيا تكن فلسفة ميزان القوى الذي يُطرح معيارا لنتائج المفاوضات التي ستبدأ بعد الجولة الافتتاحية في واشنطن، فهي معادلة جائرة لأن لبنان الحالي، الدولة القائمة هذه، وإن أظهرت وهناً وضعفاً في تنفيذ قراراتها المتصلة بحصرية السلاح التي لو نفذت لمنعت “الحزب” من إشعال المواجهة بأوامر “الحرس الثوري الإيراني” وحالت دون الحرب الإسرائيلية الطاحنة على لبنان، هذه الدولة لا تملك إلا التفاوض بعد الآن، وهو خيار الضرورة القسرية وليس خيارا رضائيا مترفا.
بطبيعة الحال، يدخل لبنان حقل الألغام والأيدي على القلوب من الجبهة الخلفية الداخلية كما من جبهة التفاوض، والأهم أن تهزم الدولة طبيعة الرضوخ للترهيب والتردد.