
لا يضجر الكاتب جورج حايك من البحث في تاريخ الأرض المقدّسة التي أُطلق عليها اسم “لبنان”. فهذا البلد الصغير كبير في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس.
بدأ حايك مسيرته في العام 2000 مع كتاب “وادي قاديشا من الأعماق إلى القمم”، مرورًا بكتب تروي تاريخ المقاومة اللبنانية، وصولًا إلى كتابه الأخير “سرّ شربل: عجائب لكل إنسان”.
لطالما أدهش شربل العالم وليس اللبنانيين فقط، وسيكتشف القارئ في هذا الكتاب أن الأب شربل مخلوف، الذي أُعلنت قداسته في العام 1977، تجاوز الحدود اللبنانية إلى كل أقطار العالم: الولايات المتحدة الأميركية، الصين، المكسيك، أستراليا، إفريقيا، أوروبا… ليستمر حاملاً شعلة يسوع ورسالته عبر عجائب عابرة للأديان والطوائف والإثنيات والجنسيات والألوان!
بدأ حايك رحلة كتابه من عنايا، من تلك البقعة الجغرافية السماوية العابقة برائحة البخور والطبيعة الخام، وسار على خطى شربل مستقصيًا وباحثًا عن خلفيات كل أعجوبة حصلت بشفاعته خلال حياته، ثم بعد وفاته.
ليس صعبًا أن نكتشف في الكتاب أن كل هذه العجائب، التي تجاوز عددها الـ33 ألف أعجوبة، تحصل بشفاعة شربل وباسم يسوع المسيح، فهي جزء لا يتجزأ من إنسانيته وروحانيته التي تأبى أن ترى معذَّبًا أو متألمًا أو تائهًا من دون أن تتحرك لنجدته. ولهذا، يقصده يوميًا مئات الأشخاص من مختلف الجنسيات، متضرعين إليه وطالبين منه النِّعم.
يمرّ حايك على حياة شربل في المحبسة، ويصف سرّ قداسته بأنه كان في داخله لا في الأمور الخارجية. فهو رجل الداخل والأعماق، وما صمته “الكبير” إلا تفريغًا لكل ما هو دنيوي من قلبه، واستبداله بكلمة الله ونوره الأزلي. كان يناجي ربّه ويسكر به طوال الليل، أما محور نهاره فكان القداس الذي يتلوه بالسريانية، فيعيش فيه ميلاد يسوع وعشاءه السري والصلب والموت والقيامة، ويتأمل في كل المراحل بشغف، طالبًا المغفرة والخلاص لنفسه.
يسرد الكاتب أن الحبيس شربل، بعدما امتلأ من الله وغرق فيه إلى حد لم يعد الله يرفض له أي طلب، أجرى بشفاعته عجائب وهو على قيد الحياة، جمعها حايك من شهادات كتبها الذين عاصروه.
لكن هذه العجائب تبدو صغيرة أمام العجائب التي حصلت بعد وفاته، بدءًا من النور الذي انبعث من قبره، وصولًا إلى أعجوبة نهاد الشامي وآلاف العجائب التي شُفي فيها أناس من أمراض مستعصية، فتهافت الناس ألوفًا إلى الدير، وضجّ لبنان والعالم بأخبار هذه العجائب. الساحات والكنيسة والطرقات تمتلئ بالمصلّين الرافعين الأيادي إلى الله: أمّ تسير حافية القدمين، عجوز تركع أمام الضريح، والد يضيء شمعة، محجّبة تحاكي التمثال، شبّان يتلون المسبحة… الجميع منشغل بمخاطبة الله والتضرّع إليه.
يقف حايك مذهولًا بقوله إنه “من الواضح أن القديس يستجيب دائمًا ولا يردّ أحدًا خائبًا: المسيحي، السنّي، الشيعي، الدرزي، اللبناني، الأوروبي، الأميركي، الأفريقي… من مختلف الطوائف والجنسيات يقصدون شربل ولا يعودون خالي الوفاض”.
يستقصي حايك أكثر من خمسين أعجوبة كبيرة، وقد تمكّن من مقابلة أكثرية هؤلاء الذين لمسهم نور المسيح بشفاعة شربل، وأُنعم عليهم بالشفاء. أخبروه بصدق قصصهم، والرسالة التي فهموها من الأعجوبة، وماذا غيّرت في حياتهم. ثم ينتقل إلى فصل آخر ليشرح مستفيضًا مبدأ الشفاعة في الكنيسة الكاثوليكية، ذاكرًا أمثلة ووقائع من الكتاب المقدس، ويلقي الضوء على أسباب شفاعة القديس شربل المتفوّقة، والدليل واضح في وفرة العجائب بنوعيّتها وغزارتها، ولا سيما أنه وصل “إلى قمم الروح” بعد جهاد طويل، بحسب متطلبات العيش في الروح، أي بحياة من نُسك وزهد وتقشّف وصوم وصلاة وسهر وتطهير للذات من ميول الخطيئة الكامنة في النفس البشرية، ومن كل عائق يقف أمامه في تحقيق الخلاص الذي أتمّه يسوع المسيح.
أما في فصل “عندما يعجز العلم”، فيطرح حايك أن عجائب قديس عنايا تحصل عندما يعجز العلم عن إنقاذ الإنسان ومنحه الشفاء، وهذا ما يمنحها المصداقية، إذ لا يمكن أن يصنعها إنسان عادي، بل يستعرض شروط الكنيسة الكاثوليكية للاعتراف بالأعجوبة.
في الكتاب، يُجري الراهب الماروني الأب شربل رعد قراءة روحية لهذه العجائب، مؤكدًا أن شربل لا يريد أن يلفت النظر إلى شخصه من خلالها، بل كانت عبادته خلال حياته موجّهة نحو المسيح يسوع: المركز والمحور والغاية لكل روحانية، حيث تجتمع الروحانيات المنقادة لإلهامات الروح القدس في الإنسان. هذا ما اكتشفه القديس شربل، وبنى عليه مشروع حياته كله، أي “القداسة” – الوصول إلى ملء قامة المسيح، والثبات فيه كما الأغصان في الكرمة (يو 15: 1-8).
لا بدّ أيضًا من التوقف عند فكرة جديدة لحايك لم يسبق أن قرأها الناس عن القديس شربل، وهي أنه اغتنى بالله وأغنى حقل التراث الرهباني في الكنيسة المارونية. لقد سبقه نسّاك كثر في الوديان والجبال اللبنانية ولم يُعلَنوا قديسين، إلا أن جهادهم وصلواتهم تجمّعت في شخص القديس شربل، أي أن شربل توّج بشخصه اختبارات كل أولئك الحبساء الذين ملأوا المغاور والصوامع، وتحوّل علامة لحضور الله في هذا الزمن، وعجائبه ليست سوى رسائل إلهية يوجّهها الرب يسوع، بواسطته، إلى إنسان هذا العصر.
