تتسارع الدبلوماسية اللبنانية في سباقٍ محموم مع الميدان، حيث تتقاطع المعلومات حول حراكٍ رئاسي استثنائي تقوده بعبدا، يضع لبنان أمام مفترق طرق تاريخي بين منطق “الدولة” وخيارات “الاستنزاف”. ومع بروز مؤشرات حول احتمال زيارة الرئيس جوزيف عون إلى البيت الأبيض بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتجه الأنظار نحو صياغة تفاهمات كبرى تهدف لإنهاء الحرب وتكريس سيادة المؤسسات الشرعية. وبينما يطرح خطاب “الخيارات المصيرية” معادلة واضحة قوامها التفاوض المباشر مقابل الانسحاب الإسرائيلي الشامل، تبرز تحديات داخلية كبرى تتمثل في “الاختبار السيادي” ومدى قدرة الدولة على بسط سلطتها ونزع السلاح غير الشرعي.
في هذا الصدد، تشير معلومات “نداء الوطن” إلى أن احتمال زيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض ترتفع خصوصاً مع إصرار الرئيس ترامب على إنهاء الحرب اللبنانية والذهاب نحو سلام حقيقي. وقد أشار مصدر رسمي للصحيفة ذاتها إلى أن كل الحديث عن رفض عون وساطة ترامب للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، أو قبوله بهذا الأمر، هو كلام “غير دقيق”، فالموضوع لم يطرح بعد بشكل رسمي، وعندما يطرح سيدرسه الرئيس عون ويتخذ القرار الذي يناسب المصلحة الوطنية. وشدد المصدر على أن لبنان ماضٍ بالتفاوض ولا شيء سيوقف هذا المسار، أما شكل التفاوض ومستواه فقد تحدده الأيام المقبلة واتجاه الأمور، لكن الأكيد أن الملف يسلك طريقه الصحيح ولا عودة لعقارب الساعة إلى الوراء.
وبالاستناد إلى السياق نفسه، لفتت أوساط سياسية بارزة عبر “نداء الوطن” إلى أن الرئيس عون أعطى الأولوية في كلمته للمفاوضات على بسط سيادة الدولة، التي احتلت البند الثالث في الكلمة بعد وقف الضربات والانسحاب الإسرائيلي؛ مشيرة إلى أن الأولوية الإسرائيلية في المقابل هي نزع سلاح “الحزب”.
من جهة أخرى، أبدت هذه الأوساط الخشية من تجدد الحرب بعدما أعطيت الدولة فرصة 10 أيام، وهي فرصة اختبارية لها بشأن نزع سلاح “الحزب”، لتعطي البرهان للولايات المتحدة بأنها قادرة على تطبيق قراراتها السيادية المتصلة بنزع السلاح وقادرة على السير قدماً في موضوع التفاوض. وقالت: “إنها فرصة تاريخية المطلوب فيها أن تستعيد الدولة ثقتها المفقودة أمام شعبها أولاً ثم أمام المجتمع الدولي ثانياً”.
كما توقفت الأوساط عند الحملة التي شنها “الحزب” أمس ضد الحكم، لا سيما عبر بيان كتلة “الوفاء للمقاومة” ووفيق صفا لجهة رفض التفاوض والتمسك بالسلاح، حيث رأت أن مصلحة الحزب تكمن في استمرار “الستاتيكو” الحالي كي لا تتجدد الحرب ويرتاح، في حين أن لا مصلحة للدولة في ذلك، متسائلة: “من قال إن إسرائيل ستنسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح الحزب؟”.
وفي موازاة ذلك، أوضحت مصادر سياسية مطلعة لـ”اللواء” أن التوصل إلى هدنة لعشرة أيام جاء تتويجاً لمجموعة اتصالات وعوامل، وأكدت أن رئيس الجمهورية جوزيف عون عمل وفق دبلوماسية فعالة من خلال مجموعة اتصالات ومتابعة منذ اليوم الأول للحرب، وأطلق مبادرة التفاوض المباشر.
وختاماً، اعتبرت هذه المصادر أن خطاب رئيس الجمهورية هو بمثابة “خطاب القسم 2″، إذ وضع فيه النقاط على الحروف بشأن التفاوض الذي يقوم به لبنان عن نفسه، والخيارات بين “الانتحار والازدهار”، مؤكداً أهمية الدولة ومقوماتها، ومركزاً على مجموعة مطالب لبنانية لا يمكن التخلي عنها، من الانسحاب الإسرائيلي إلى عودة الأسرى. وأشارت المصادر إلى أن هذا الخطاب سيخضع للتقييم والبحث، وحتى لمراجعة مضمونه في المرحلة المقبلة.

