
قد يكون من المفيد، بعد هذا الكم من الإنكار والجنون، أن تنظم الأمم المتحدة مؤتمرًا دوليًا، تدعو اليه الأحزاب الشمولية “المنتصرة” دائمًا وأبدًا، لإعادة تحديد مفاهيم الحرب والسلم والانتصار والهزيمة. منذ الإعلان عن دخول هدنة العشرة أيام حيّز التنفيذ بين لبنان وإسرائيل اعتبارًا من 16 نيسان الحالي، و”الحزب” يهلل منتصرًا، واعدًا متوعدًا في حال خطر على بال أحد ما، دولة أو موطنين، الإيحاء بأنه خسر.
انتصار مدوي كلف لبنان خسارة 57 قرية في جنوب الليطاني، دخلت اليها إسرائيل وتمركزت فيها، بعدما أصبحت خالية تمامًا من أهاليها، في حين دمّرت 76 بلدة، من دون إغفال احراق 580 ألف دنم بالفسفور وتجريف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية.
انتصار مدوي دفع بالدولة اللبنانية الى إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، لتجنيب البلاد المزيد من القتل والدمار. وليكتمل الانتصار المدوي، هجّر “الحزب” جراء انتماءاته الإقليمية، وفدى عيون الخامنئي، مليون لبناني من الجنوب والضاحية، افترش الآلاف منهم الشوارع بعدما ضاقت بهم مراكز الإيواء.
الانتصار المدوي ذاته، جعل الشباب الشيعي وقودًا لـ”حزب محظور” لا يفهم إلا لغة الترهيب والموت، فسقط منذ حرب الاسناد في العام 2024 ما يزيد عن 8000 قتيل وأكثر من 21800 جريح.
وبما أن الانتصار المدوي يَستتبع إنجازاته بلوم الدولة اللبنانية وتحميلها مسؤولية إعادة الإعمار، سجّلت الأرقام دمار 300 ألف وحدة سكنية بشكل كلي أو جزئي، ولأن الانتصار المدوي نفسه، يُكتب من جيوب اللبنانيين والضرائب التي يدفعونها لدولتهم المركزية، علّها تحميهم من الانتصارات غير المحسوبة كتلك التي نعيشها، تتحدث الأرقام الأولية عن أن خسائر المواجهات بين “الحزب” وإسرائيل تفوق الـ38 مليار دولار.
الانتصار المدوي يظهر جليًا أيضًا في تدمير الجسور والبنى التحتية وشبكات الكهرباء والماء والاتصالات والصرف الصحي، وكل ما أنفقه مجلس الجنوب خلال الأربعين سنة الماضية، ناهيك عن تدمير القطاعات الصحية والتعليمية والتجارية والصناعية والبيئية…
الانتصار المدوي تُرجم أيضًا بعدم تمكن البيئة الشيعية من الصمود ونزوحها وخسارة مدخراتها وجنى عمرها.
الانتصار المدوي لم يتمكن من تحقيق لا إسناد ولا صمود، فصار لبنان عصفورية الجنون والهذيان… وانتصرنا!
الانتصار المدوي أحرج مرات ومرات لبنان الرسمي الذي راح يستجدي وقف إطلاق النار وعدم ضرب المطار والمرفأ والمؤسسات الرسمية والبنى التحتية في باقي المناطق اللبنانية.
الانتصار المدوي يا سادة، دفع بالمنتصرين الى التفكير بقلب الدولة رأسًا على عقب وإسقاط لبنان الرسمي، فكان ذاك الأربعاء المجنون الذي ضربت فيه إسرائيل بيروت لينقلب بعدها السحر على الساحر.
الانتصار المدوي وضع البيئة الشيعية في دائرة الخطر على نفسها أولًا وعلى المجتمع المضيف ثانيًا.
الانتصار المدوي كلف “الحزب المحظور” سقوطًا عظيمًا من أجندة اللبنانيين، حتى تراه بات يصرخ وحيدًا. وبعدما كانت كلماته مسموعة، مأخوذة على محمل الجد، باتت تهديداته اليوم في مهب الريح.
لائحة الانتصار المدوي في مفهوم “الحزب” تطول ومن الصعب جدًا أن يتمكن العقل البشري الطبيعي من فهمهما، أما لائحة الانتصار في قاموس اللبنانيين فمختلفة تمًامًا، كما أن عناوينها أسهل بكثير.
“الحزب المحظور” انتصر بتهجير بيئته، فيما اللبنانيون فتحوا الأبواب واستقبلوا أهلهم، على الرغم من التحديات.
“الحزب المحظور” انتصر بإفراغ الجنوب، فيما بقيت قرى رميش ودبل وعين إبل والقليعة وباقي قرى الشريط الحدودي صامدة.
“الحزب المحظور” انتصر بجعل شباب بيئته وقودًا للمشروع الإيراني ولولي نعمته، فيما استشهد الاب بيار الراعي وآخرين صامدين في قراهم وفي بيوتهم، حيث اختبأ “الحزب المنتصر” بين اللبنانيين متخذًا إياهم دروعًا بشرية.
“الحزب المحظور” انتصر بتوقيف الدراسة في أماكن نفوذه، بينما آلاف الطلاب اللبنانيين يقصدون مدارسهم بشكل اعتيادي.
“الحزب المحظور” انتصر برمي 6 صواريخ على إسرائيل، التي كانت تسيطر على 5 نقاط فقط، وباتت اليوم تسيطر على 57 قرية.
“الحزب المحظور” انتصر بتهديد اللبنانيين وباستحضار لغة الوعيد و”الصرامي” والمعارك “الفايسبوكية” و”التويترية” وبتحليل دم لبنان الرسمي، بينما الحكومة تصدر القرارات السيادية ورئاسة الجمهورية تفاوض إسرائيل وإيران تخسر الورقة اللبنانية.
لن نقول لـ”الحزب المحظور” مبروك انتصاراتك. في النهاية، ستتضح لديه يومًا ما معاني الربح والخسارة. قد يطول الوقت بعض الشيء للاقتناع بأن العهد الأول تحول وبأن المفاهيم التي “أدلجت” بيئته سيصححها الزمان، ومن الآن الى ذلك الوقت، حاولوا أن تعودوا الى المنطق إكرامًا لفئة خسرت كل شيء من أجلكم. اللبنانيون جميعهم وأولهم اللبنانيون الشيعة، لا يريدون أكثر من حياة كريمة، ودولة قادرة. هذه ليست مطالب مستحيلة، بل حقوق بديهية لأي شعب. قد يكون الطريق شاقًا، لكن البداية تكون دائمًا بخطوة نحو التلاقي…
رجاء، أوقفوا انتصاراتكم المدوية حفاظًا على ما تبقى وكي لا تصبحون، قبل أن يصبح لبنان، في مكان آخر.
