#dfp #adsense

هل تجرؤون على الالتزام بنهج سمير جعجع؟

حجم الخط

جعجع

الحادي والعشرون من نيسان… لا تمرّ الذكرى كرقم في الروزنامة، بل كجرحٍ مفتوح في ذاكرة جماعة بل ذاكرة وطن. هو نيسان نفسه الذي حمل في العام 1975 شرارة الحرب اللبنانية، يوم سقط الوطن على أكتاف رجالٍ التزموا أرضهم وقضيتهم، من الجبهة اللبنانية مفكّرين ومقاتلين. وهو نيسان الذي شهد، بعد سنواتٍ من الدم والخذلان، محاولة كسر إرادة مشروعٍ كامل عبر اعتقال قائدٍ اختار المواجهة بدل التسويات: إنه هو سمير جعجع.

لم يكن مسار جعجع تقليديًا يومًا. لم يأتِ من عائلة سياسية ولا من صالونات القرار، بل من قلب المعاناة اللبنانية. شابٌ يدرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، متفوّق في اختصاصه، لكنّه وجد نفسه أمام حقيقةٍ قاسية: معالجة الجرحى في المستشفى ليست الحل، لأن النزيف الحقيقي هو نزيف وطن. من هناك، في زمن معارك 1975 ـ 1976، اتخذ قراره الصعب: ترك الطب واختار الانخراط في معركة الدفاع عن لبنان. لم يكن القرار نتاج حساباتٍ معقّدة، بل تعبيرًا عن “الروح نفسها” التي رافقته لاحقًا في كل محطاته. كبرت المسؤولية مع السنوات، وتحوّلت “القوات اللبنانية” من إطار عسكري إلى مشروع تغيير سياسي واجتماعي، كما أراده بشير الجميل. مشروع يتجاوز البندقية إلى بناء الدولة، ويجمع بين الدفاع عن الوجود والعمل لإعادة تنظيمه ضمن مؤسسات شرعية. وفي هذا المسار، بقي جعجع متمسكًا بقناعةٍ ثابتة: “ما بيصحّ إلا الصحيح”، لا كشعارٍ بل كنهجٍ سياسي، حتى حين كان الثمن باهظًا.

بعد اتفاق الطائف، دخل جعجع مرحلة جديدة بروحٍ إيجابية لبناء الدولة. لكنّ الواقع كان مختلفًا. نظام أمني سوري ـ لبناني فرض معادلاته، وبدأت الضغوط لإدخاله في تسوياتٍ تتناقض مع قناعاته. عُرضت عليه مناصب، وفتحت أمامه أبواب النجاة، حتى اللجوء إلى السفارات كان خيارًا مطروحًا. لكنه رفض. قالها بوضوح: لن أسمح أن يُقال إن قائد المقاومة المسيحية ترك شعبه وهرب. فاختار المواجهة، مدركًا أن الثمن قد يكون الاعتقال أو الاغتيال.

في 21 نيسان من العام 1994، جاء القرار السياسي بإسكاته. وُضعت على كتفيه جبالٌ من الاتهامات التي لا تمتّ إليه بصلة، وفُتحت ملفاتٌ مركّبة لا تزال تُستعمل حتى اليوم في خطاب خصومه. لكن الحقيقة التي يعرفها كثيرون أن تلك المرحلة كانت مرحلة تركيب روايات أكثر منها كشف حقائق. بقي جعجع في زنزانته، لكنّه لم يغادر موقعه. تحوّلت الزنزانة إلى جبهة، والصمت إلى موقف، والصمود إلى فعل مقاومة.

في الخارج، لم تكن المواجهة أقل قسوة. ستريدا جعجع، رفيقة الدرب، حملت القضية إلى الشارع، إلى الناس، إلى كل مساحة ممكنة. يوم صدر الحكم المؤبّد، لم تنكسر. ظهرت والدمعة في عينيها، بابتسامةٍ صلبة، وقالت عبارتها التي تحوّلت إلى شعار جيل: “ما في شي مؤبّد بالدني”. ومن تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة: المقاومة السلمية. شباب تركوا مقاعد الدراسة، وواجهوا القمع، ودفعوا أثمانًا غالية من مستقبلهم ودمائهم، مطالبين بالحرية، والبراءة “براءة براءة سمير جعجع براءة” ، وبخروج الجيش السوري من لبنان “سوريّا برّا برّا”.

سنوات الاعتقال لم تغيّر في قناعات جعجع. تحرّكت جبالٌ في شرقنا المتوحّش، ولم تتحرّك قناعاته. بقي هو هو، الأمين على المصير. تحمّل ولم يساوم، تبدّل المستحيل ولم يبدِّل. وحين خرج في العام 2005، لم يخرج منتصرًا شخصيًا، بل كجزءٍ من مسارٍ طويل انتهى بخروج الجيش السوري في 26 نيسان، كأنّ الشهر نفسه أراد أن يُقفل دائرة الألم بفصلٍ من الخلاص.

اليوم، في استعادة تلك الذكرى، لا تُختصر القصة بشخص، بل بمسار. مسار يقول إن الثبات ممكن، وإن القناعات ليست تفصيلًا في العمل السياسي. في بلدٍ تتنازعه التسويات، يبقى من يقول “لا” قيمةً بحد ذاتها. وربما لهذا السبب، بقي سمير جعجع حالة جدلية في الحياة السياسية اللبنانية: لأنه رفض أن يكون تفصيلاً في مشروعٍ لا يشبهه.

علّمنا سمير جعجع أن الذكرى ليست للبكاء على الماضي، بل للتذكير بأنّ الضمانة الحقيقية لوجود المسيحيين ولكل اللبنانيين هي في دولةٍ تحميهم، لا في تسوياتٍ تُذلّهم. دولة المؤسسات، دولة القانون، الدولة التي آمن بها جعجع منذ بداياته، وبقي متمسكًا بها حتى في أحلك الظروف. تلك هي المعركة التي لم تنتهِ بعد، معركة الوصول الى شكل هذه الدولة التي ستبقي وطننا لبنان حيًّا… فهل تجرؤ التزامَ نهج الرجل الذي اعتُقل ليٌبقي وطنه حرًّا؟!

جويس تابت ـ نائب رئيس جهاز التنشئة السياسية جويس تابت

إقرأ ايضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل