Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ الفرصة الأخيرة: استئصال “السبب” يُبعد “المصير الأسود” (أمين القصيفي)

يمر لبنان اليوم في منعطف تاريخي حاسم، ستُبنى على نتائجه ملامح الكيان لعقود مقبلة. فنحن أمام تحوّل إقليمي زلزالي يحمل في طيّاته مخاطر وجودية، لكنه يفتح في الوقت نفسه نافذة نادرة لإعادة تأسيس الدولة على أسس سيادية صلبة. وبين خطر الفناء وفرصة القيامة، يتوقّف مصير لبنان على “إدارة سياسية” واعية وجريئة؛ فالتردد في لحظات التحوّل الكبرى ليس مجرد خطأ عابر، بل هو خسارة استراتيجية قد تدفع الدولة ثمنها تلاشياً واندثاراً.

إن هذه المرحلة لا تحتمل المراوحة أو “دبلوماسية الاسترضاء”، بل تتطلّب حزماً ينطلق من “المصلحة اللبنانية العليا” التي تفرض السير قُدماً من دون التفات إلى الوراء، ومن دون الخضوع لمنطق الترهيب الذي تمارسه أداة الاحتلال الإيراني، وتحديداً “الحزب”، المزروعة في قلب لبنان.

إن الفرصة المتاحة اليوم لإنهاء حالة الحرب قد لا تتكرر، والتقاطها يتطلّب انخراطاً كاملاً في المسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن، للوصول إلى حل جذري ينقل لبنان نهائياً من وضعية “الساحة” التي استُخدمت لعقود لاغتصاب السيادة وتقويض المؤسسات، إلى واقع الدولة السيدة الفعلية بكل ما تعنيه الكلمة.

المطلوب اليوم، وبكل وضوح، ليس “هدنة هشّة” تعقبها حرب أكثر دماراً، بل إنهاء الصراع الذي حوّل لبنان إلى “صندوق بريد” لمصالح طهران. ويجب ألا يعلو أي نقاش فوق السؤال الجوهري والأول: من أعاد إسرائيل إلى لبنان؟.

إن أي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة هي تضليل مرفوض؛ فمن استجلب الاحتلال هو “الحزب الإيراني”، وما لم يُنزع سلاحه الذي جرّ لبنان إلى محرقة “إسناد غزة” ثم “إسناد طهران”، فإن الوطن سيبقى في غرفة العناية الفائقة، وكل ما عدا ذلك تفاصيل ثانوية لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

ما يجري في الجنوب اليوم هو “إبادة جغرافية” ممنهجة؛ فكل لحظة يتأخر فيها نزع سلاح الأداة الإيرانية، تعني مزيداً من اتساع رقعة الخراب وتكريس سيناريو “الخيام وبنت جبيل” في مناطق أخرى. لقد سقطت كذبة “توازن الخسائر” في الميدان و”يؤلموننا ونؤلمهم”؛ فبينما تحقق إسرائيل أهدافها بتأمين حدودها وتتحرك ضمن وقائع تمنحها السيطرة، يدفع اللبنانيون وحدهم كلفة “انتحار” فريق قرر رهن بلد بكامله لمصالح “الولي الفقيه”. لا يحق لأحد أن يجرّ أمة بكاملها إلى هذا المصير الأسود، والمسؤولية هنا لا تقبل القسمة على اثنين.

لذلك، يجب أن يكون عنوان المرحلة واحداً لا يتزحزح: إزالة السبب الذي أدى إلى هذه الحرب. لا يجوز تشتيت النقاش بملفات جانبية قبل معالجة أصل الداء، لأن بقاء السلاح غير الشرعي يعني بقاء النزيف الدوري. إن المطلوب اليوم هو حسم المشكلة لا توصيفها، وإنهاء الأزمة لا إدارتها؛ وهذا لن يتحقق إلا بقرار سيادي شجاع يعيد للدولة وحدها حق قرار الحرب والسلم، وينزع سلاح الأداة الإيرانية كمدخل وحيد وأخير لحماية ما تبقى من لبنان واللبنانيين.

Exit mobile version