
“بدنا نحاسب”، باختصار هذا هو الهدف الرئيسي من المؤتمر الصحفي الذي عقده تكتل الجمهورية القوية في مجلس النواب.
البرلمان؟! نعم، نعم. أتذكرون ذاك الصرح الديمقراطي العريق في لبنان؟! بدأنا ننساه في غمرة المصائب وحروب الميليشيا النشيطة المتتالية، علمًا أن في هكذا أزمان تحديدًا، وبحسب ثقافتنا السياسية والقانونية والدستورية المتواضعة، تفتح أبواب البرلمان للمساءلة والمساعدة والمساندة وما شابه، وليس العكس كما يحصل الآن.
لم يكن لقاء نواب “القوات اللبنانية” لتسجيل مواقف متمايزة عن زملائهم وما شابه، ولا اشتاقوا للظهور الإعلامي بطبيعة الحال، إذ لا يهدأون اسمالله من شاشة الى أخرى، لكنهم اشتاقوا فعلًا، للعمل البرلماني الصحيح، للمواكبة الفعلية لعمل الحكومة ومراقبتها وتصحيح مسارها إذا ما أخطأت. اشتاقوا أكثر وأكثر لأمان الناس، لراحتهم، لسلامهم، لحقهم بالعيش الطبيعي الحرّ من دون حروب المساندات المتتالية ولا من يحاسب عليها.
“بآخر حرب مساندة غزة، خسرنا خمس قرى، اليوم بحرب مساندة إيران خسرنا ٥٥ ضيعة، فمن يحاسب”؟ قال جورج عدوان بوجه قاسي التعابير، غاضب. من يحاسب؟ السؤال الجوهري.
من يحاسب من افتعلوا حرب إبادة في الجنوب، والضاحية وبعض البقاع تحت راية الخامنئي، وفي ظل العلم الإيراني والعلم الأصفر، تحت عيون الدولة اللبنانية وفوق أراضيها. من يحاسب والبرلمان مقفل عمدًا؟!
كان واضحًا تجهم عدوان وكذلك نواب “القوات اللبنانية” المشاركين بالمؤتمر. لم يأتوا أساسًا لتوزيع ابتسامات الممالقة وتدوير الزوايا واللعب على الكلام والمواقف، هم كما هم دائمًا، “مع وِجُّن” بوجه الحقيقة المرة المميتة، ميليشيا متعاملة مع بلد غريب، متواطئة على بلدها الأم لبنان، تعمل فيه بالتكافل والتضامن مع إسرائيل، على تدميره بالكامل، واستجرار تل أبيب لاحتلال المزيد من الأراضي جنوبًا، فهل نصمت جميعًا متفرجين؟ “الأخطر أن المجلس النيابي بدا وكأنه غير معني بكل ما يحصل” قال عدوان غاضبًا. “نحن كتكل الجمهورية القوية لسنا على استعداد لأن تكون الممارسات كما كانت في السابق من دون محاسبة أو مراقبة، انطلاقًا من البرلمان… وسيكون لنا كلام آخر بعد انتهاء الحرب، فإما أن يطبق القانون والدستور على الجميع، وإما نعيد النظر بكل شيء” قال عدوان. والكلام هنا ليس تهديدًا ووعيدًا، كما بدأت بعض الأقلام التافهة بالتسويق، إنما وعدًا من نواب سياديين خائفون على لبنانهم، يرفضون أن يكونوا ممثلين للشعب بالاسم والمنصب فقط، إنما يصرون على أن يكونوا أصوات الناس وصرخاتهم وخوفهم “والا منكون عم نخون وكالة الناس النا ولا ننقل صوتهم وأسئلتهم” قال عدوان، وتساءل: “كيف لوزراء في الحكومة لا يسيرون بقراراتها؟ كل هذا الا يتطلب رقابة برلمانية”؟.
شارك تكتل الجمهورية القوية في الجلسة البرلمانية التي عقدت في اليوم نفسه من عقد المؤتمر الصحافي، لكن المشاركة لم تلغ غضب وثورة نواب “القوات اللبنانية” الذين يتربصون بكل تلك الأخطاء الدستورية الفاقعة، وبكل ذاك التسيب الأمني المفجع، ليعودوا بعد انتهاء الحرب ويصوبوا مسار البرلمان وكل من يسيء للحكومة ولرئاسة الجمهورية اللذان أطلقا مسار المفاوضات المستقلة عن إيران تلك، مع أميركا وإسرائيل للتوصل الى وقف إطلاق النار من دون تدخل بلاد الفرس وذراعها في لبنان.
لطالما كان الغضب وقود الثورات، السيد المسيح غضب فحطم هيكل الرب فوق رؤوس المرابين الفاسدين، ونحن أبناء المسيح، أبناء الأرض المصلوبة على عمالة الميليشيا لإيران، ورفض إيران رفع احتلالها عن لبنان، لكن ثمة بعد من يقاوم، يرفض، يثور. رئيس جمهورية، رئيس حكومة، وزراء أحرار، نواب أحرار، سياديون شرفاء من كل القطاعات، ومعًا سيرفعون الضيم عن لبنان، وكل تلك الأذرع سيقطع عصب الشر فيها وسترفع عن رقبة لبنان… وسنبقى.
