Site icon Lebanese Forces Official Website

جنوب الكنعانيَّة.. عظيم إيمانك يا امرأة

أرض الميعاد ما كانت يومًا في وسع تجوالاته، فخطواته حدود مفتوحة لا عوائق فيها ولا نهايات. الشعوب بأكملها رفيعةٌ في عينيه وليس بينها من هو وحده مختارًا. مازال ويبقى وسط الجَّمع ينذر الجميع بخطاب يقلب مقاييسهم ويبعثر مفاهيمهم: “يأتون من مشارق الأرض ومغاربها ويجلسون في حضن أبراهيم وأبناء الملكوت يطرحون خارجًا”. اجتاز الحدود المحرَّمة ملكًا حاسر الرأس من تيجان الملوك، ووطأت قدماه أرض جنوب مملكة فينيقيا اللبنانية زائرًا عاصمتيها صور وصيدا، داخلاً إليهما بأرتالٍ مُعسكرةٍ ببهاء ومهابة طلَّته، ومدجَّجةٍ بالحبِّ والودِّ والسَّلام والآيات وكلمة الحياة. يسوع النَّاصري دخل يومها صور وصيدا يمسح عنهما ما افتعلته بهما غزوات الإسكندر المقدوني وأرتحششتا الفارسي وما قبلهما وما بعدهما. الوديع المتواضع القلب جاء يومها يعلم المدينتين ذات القلعتين البحريَّتين بأنَّ القلاع العسكرية وجبخانات السيوف والحراب وأقواس النشَّاب والمقاليع والمنجنيق لن تكون يومًا بفعاليَّة السَّيف المزمع أن يردَّه سمعان بطرس إلى غمده، وما من سيفٍ قاطعٍ بتَّار إلاَّ وكان قاتلاً حامله!!

 

حارات النَّصارى

إنَّ المدى الإلهي والإنساني الذي بين يسوع النَّاصري وبين مسيح الشعوب، هو ذاته الذي ما بين ربيب المزود وربيب الصَّليب، وهو الموجب الأسمى أن يكون ما بين صور وصيدا في أمانتهما على إرث زمن حارات النَّصارى وتطويره إلى رسوخٍ مسيحيٍّ متجذِّر، يواكب على الدوام زيارة المسيح لتلك المدينتين العريقتين المباركتين. إنَّه ذروة الرسوخ الوطني، الإنساني، الروحي، العلمي، الثقافي الأخلاقي، الاجتماعي وحتَّى النسيج المجتمعي السياسي.

بلاد صور وصيدا وحسن الجوار فيهما لم يكن لفظًا مدينيًا، بل كان أدبًا دينيًا بمثابة الفتوى والشَّرع وتقدمة القداس، والتكوين العائلي الصَّوري الصَّيداوي ما بين دار للفتوى ودار للأبرشية، وإنَّ لله وحده يُقرَّب الصِّيام وأشهر الفضيلة وفطير الصَّائمين، من دون مواربة في التَّعبير وإتقانٍ للتقيَّة.

إن أيامًا وأشهرًا وسنواتٍ ظلاميَّة عسيرةٍ هوجاء، قد أنهكت تلك النواحي الجنوبية، فعلَّمت جدًا وآلمت آية الصَّفعة على الخدَّين والمصفوع يديرهما يمنةً ويسرى.. لكنَّ قانا العرس واسعة الدعوة، ملأى الأجاجين، سخيَّة الخمرة الجيِّدة، وتلك الأم البصيرة العين الحادقة اللحظ، تجزم بأنَّ أعجوبة تحويل صفعة الخدِّ إلى قبلةٍ كختمٍ لا يمحى، ليست أصعب من أعجوبة تحويل الماء إلى أجود خمرةٍ تسري في عروق المدعوين وعراقتهم.

حارات نصارى تلك العاصمتين الفينيقيتين الجنوبيَّتين هي روعة حكايات الإنجيليين الأربعة، فالغريب عن أورشليم ما كان ولن يكون غريبًا عن صيدا وصور ولتلميذا عمّاوس فيهما أهل ونزلٌ ومضافات، فلا غربةٌ ولا وحشة مهما مال النَّهار وحلَّ المساء!!

 

تبنين بيعة الحنين

حقًا هي قلب جبلها، وجبل عامل ينتظمُ نبضه على نبض أهلها، هم الأهل التبنينيّون وتبنينهم تحثَّهم على أن يبحثوا عن بعضهم بعض، تحلِّفهم بشجراتهم العائلية وبعائلة أشجار الزيتون أن يحملوا لبنان بأكمله ويعودون به إلى السَّاحة التبنينية الكبرى. هل مَن يعلم بأنَّ من أصول عائلاتها خمسة وخمسون عائلة تؤلِّف منذ قرون، رعية كنيسة الروم الكاثوليك شفيعها جاورجيوس، فارس فرسان شهداء المسيح، هيَّ الرعيَّة الضَّليعة بحكمة الإمام علي بن أبي طالب وخطابه الإنساني الدائم الرسوخ والحضور: “حسن الجوار يعمِّر الديار ويزيد الرِّزقَ والأعمار”!

وإنَّ لمدينة تبنين أخوات هنَّ مثلها ذات جذورٍ مسيحيَّة عميقة الامتداد في التاريخ والجغرافيا، لكنَّها غير متدوالة في الإعلام والترداد اليومي المنصرفَين إلى شديد معاناة رميش والقليعة وعين أبل ودبل وإبل السَّقي والقوزح وعلما الشَّعب وبرج الملوك ودير ميماس ومرجعيون وجديدة مرجعيون وكوكبا وراشيا الفخار. بلدات وقرى ذات ميرون وصليب تبتدئ من تبنين ولا تنتهي في بلدتَي القلَيْلة والرمادية. بلدات وقرى يترنَّح الحضور المسيحي فيها بين بقاءٍ ونزوح. البقاء الدائم استشهادٌ جسدي وعقاري ومادي، والنزوح الدَّائم استشهاد روحيٌ ونفسيٌ وعائليٌ ووجداني.. بقاء ونزوح كم يتشابهان ويتماثلان بذات حيرة يوسف العامل النجار يوم نزح بمريم والصبي إلى مصر بتهجير قسري حضَّهما عليه ملاك الرب، وإنَّ الهيرودسيّة منذ ذلك الزمان حتى اليوم هي طائفة واحدة ومذهب واحد وملَّة ذات قواسم مشتركة واحدة، وادِّعاء بأنَّها مرَّة لله شعبًا ومرَّة لله حزب!

يسوع الآتي ذات يوم إلى نواحي صور وصيدا، عائد اليوم يتذكَّر ويذكِّرنا بمروره وحضوره في قرى وبلدات ومدن هنَّ شقيقات لمدينة تبنين، وله في صميمهنَّ رعايا وكنائس وأوقاف ورنيم أجراس:

ـ الخيام

وزنات أهلها المسيحيين كنائس أربعة، المعلوم منها كنيسة السيدة وكنيسة مار الياس، وإيمان على قدر حبَّة زيتون، يومًا تبني بيوتًا لمسبحة أمٍ وجدة، وأيامًا تبني الوطن والضيعة والدار في عيون من تهجَّروا وهاجروا!

 

ـ صفد البطِّيخ

كنيستها سيدة الانتقال تتنقَّل بين أبناء البلدة والرّعية هؤلاء الباقين فيها وأولئك الذين أمسوا في قيد الغياب وللحضور المسيحي البلدي الإنمائي ثلاثة أعضاء من أصل تسعة مجلسها البلدي!

 

ـ برعشيت

أيضًا هي إحدى رعايا رعية وكنيسة سيدة الانتقال، تقيم في ظلِّ حمايتها وعلى يديها، تنتقل إلى تواريخ آباء وأجداد حفروا على كل جزع غرسوها وأنموها آية: “ثقوا لا تخافوا أنا قد غلبت العالم”!

 

ـ يارون

هي كمعظم رعايا تلك الديار المجاورة للمخاطر الفجائيّة، والمحاظير المستجدَّة أنها تستشفع فارس الكنيسة ومغوارها جاورجيوس القائد. الكنيسة اليارونيَّة على أسمه ورمحه حاضرٌ أساس مهما تكاثرت الحيتان، وتكالبت التَّنانين، وتلوَّثت منابر الخطابة برذاذ دموع التَّماسيح!

بلدات وقرى وضياع وأهل ينزردون على طول الشَّريط المسيحي الحدودي الجنوبي زردة مسبحة، بيوتها تتآلف وتتكاتف أكانت الأسرار أفراحًا أو أحزانًا أو أمجادًا أو أنوارًا، طالما الفرح بشارة والحزن فداءً والمجد قيامة والنور معموديَّة وتجليًا!!

 

السيِّدة فوق برج المنطرة

عيناها النَّجمتان تلحظان المدى كل هذا المدى السيِّدي وتحرسانه من درب السِّيم حتَّى ما آخر درب رميشيَّة مفتوحة على دير سيدة البشارة. عينا نجمة الصبح تعوِّضان غياب التِّيجان الحبرية الرَّفيعة عن أكاليل الظَّفر المرصَّعة بالنَّزيف المفتوح في جسد راعي الرعاة الشهداء كاهن الصَّلب الجنوبي مار بيار الراعي.. وها هو شهيد الصوت الصارخ في البريّة يوحنا المعمدان، يسلِّم حنجرته وصوته وبسالته إلى الأمين على الكثير والأكثر مار نجيب العميل، وهذان التلميذان الكهنوتيان الألمعان هما بالذات مَن يستحقّان الجلوس عن يمين الملك وشماله في يوم مجده!

المغارة المنطرية النَّاصعة نصاعة طلَّة عذرائها على ملاك الرب والمحفورة حفر الآيات المغدوشيَّة المضمَّخة بماء زهر ليمون مغدوشيٍّ يفوح أريجه تبشيرًا بعودة تلك الحنونة، تنتظر وحيدها المتجوِّل مجدَّدًا في جنوب أرض المرأة الكنعانية يشفي الشهداء والصّامدين والصَّامتين والمنسيين والمتروكين وتلك البيوت المسحولة والأرزاق المجروفة، ذارفًا دمع قلبه وعينيه على شجر الزيتون والليمون المحكوم بالإعدام قطعًا وبترًا.. ابن مريم النّاصرة والمنطرة عائد إلى جنوب زاره يومًا حاملاً إليه البشائر والأمثال والآيات والشِّفاءات وخبز البنين الذي يُحسن أن يُعطى للوثنيين قبل الذين باعوا أخاهم يوسف، ثمَّ أوهموا أباهم يعقوب بأن الذِّئب افترس صغير أبنائه. الرب عائد إلى حيث شفى ابنة المرأة الكنعانية، يُلقي في تلك الأرض المنهوكة المنتهكة نارًا وسيفًا ليس بسواهما يواجه إلهين حربيَّين يطحنان بعضهما بعضًا وجنى الأعمار الواقع على مرمى قاذفات الموت والحرائق والهدم والخراب، ما عاد يهمها من هو الإله المختار ومن هو الإله الحزبي طالما إعدام الأعناق والأرزاق من ارتكاب أيديهما!!

عرسان ثلاثة، ارتفع بهم عريس قانا مِن فوق أحد سطح بيوت عين إبل تتمَّة للشهداء العين إبليين في صيف العام 1920، جزيةً مفروضةً من مؤتمر وادي الحجير على قيام دولة لبنان الكبير… من فوق قباب تلك الكنائس الجنوبية المواجهة لأبواب هذين الجَّحيمَين ومِن فوق عرير قاذفات الموت والخراب يتعالى صوت يسوع ثانيَّة: “عظيم هو إيمانك يا بيعة الجنوب”!!!

إقرأ أيضًا

Exit mobile version