#dfp #adsense

حين يصير الألم عهدًا.. والموت عبورًا

حجم الخط

حين يصير الألم عهدًا، والموت عبورًا

طوبى للمتألمين

في عالمٍ تتجلى فيه أقسى معاني الولاء، نرى مشاهد بشرية ترمز إلى تقديم الجسد كأسمى عربون وفاء. في طقوس الياكوزا، حين يُطلب من العضو أن يقطع إصبعه ليُثبت انتماءه، يكشف هذا الفعل عن قناعة متجذّرة: أن لا شيء أثمن من الجسد، وبالتالي فإن تقديمه هو ذروة الإخلاص.

وكذلك كل من يقف في وجه الموت مدافعًا عن أرضه، حارسًا لكرامة شعبه، لا يفعل ذلك إلا بدافع الولاء. إنّه يوقّع على عهده الأخير بدمه، ويرسم بموته حدود الوطن، ويجعل من جسده درعًا للذين لا يحملون سلاحًا. هو أيضًا، في لحظة البذل، يُقدّم نفسه عربون محبة، لا عن قهر، بل عن قناعة، لا عن كراهية، بل عن حبّ كبير.

لكن المسيحية تعيد تعريف هذا المفهوم في ضوء الفداء، فالمسيح لم يقطع إصبعًا، ولم يحمل سيفًا، بل بذل ذاته على الصليب، لا ليربح معركة زمنية، بل ليكسر شوكة الموت نفسها. لم يُجبر، بل أحب. لم يقدّم جسده لرئيس، بل قدّمه من أجل أعدائه قبل أحبائه. في الصليب، لم يُنتزع الألم بالقوة، بل قُبل طوعًا، فصار الألم دربًا للمجد.

من هذا المنظار، لا يعود الموت مجرّد نهاية، بل مسيرة نبيلة، خاصة حين يتّحد الإنسان في آلامه مع آلام المسيح. ذاك المريض المستسلم على فراش الوجع، إن ضمّ آلامه إلى آلام الفادي، صار هو أيضًا شاهدًا على الحب، على الرجاء، على الولاء الأسمى.

هكذا، يتحول الموت من فاجعة إلى عبور، من فناء إلى فصح. لأن يسوع لم يبقَ في القبر، بل عبر من خلال الألم إلى القيامة، فمن يتّحد بآلامه لا يسير إلى الموت وحده، بل يسير مع الحمل الفصحي، ليعبر معه إلى الحياة الأبدية.

حين نفهم هذا، لا يعود الحزن على الراحل حزن وداع، بل صمت خشوعي على باب السماء. حينها نعلم أن جسده ليس مجرد تراب يعود إلى التراب، بل بذرة حياة زُرعت في قلب الله.

فالموت، حين يُقدَّم حبًا، حين يُعاش إيمانًا، حين يُحتمل رجاءً، لا يُفقدنا أحباءنا، بل يعلّمنا أنهم قد صاروا أقرب، لأنهم دخلوا المجد، وانضمّوا إلى موكب الذين بذلوا أنفسهم، فصاروا أحياء إلى الأبد.

من هنا، نستطيع أن ننظر إلى فراش الموت ليس فقط كمكان للوداع، بل كمذبح سري يُقدَّم عليه جسد الإنسان عربونًا للولاء الإلهي، بانتظار أن يُكلَّل بالقيامة.

وهنا يخفّ الحزن على من يرحل، حين يُدرَك أن موته لم يكن عبثًا، بل مسيرة نبيلة، ختم بها حياته كبذل. فالإيمان لا يُطفئ الحزن، لكنه ينقّيه، يُعلّيه، ويحوّله من ألم مفجع إلى رجاء هادئ.

طوبى للمتألمين.

 

الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة،  في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة…

وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.

“المسيرة”

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل