
مرّة جديدة، تختار جريدة “الأخبار” السرديّة الكاذبة على حساب الوقائع، فتقدّم نقاش نواب “القوات اللبنانية” في اللجان المشتركة حول اقتراح قانون العفو العام الذي جرى بالأمس، وكأنه “محاولة من معراب لانتزاع حصّة”، فيما ما جرى فعليًا مختلف تمامًا في الشكل والمضمون.
في ما خصّ التصويت الذي حاولت الصحيفة تصويره كأنه إسقاط لاعتراض نواب “القوات اللبنانية”، فإن التصويت لم يكن على توسيع العفو أو تضييقه، ولا على شمول جرائم محددة أو استثنائها، بل كان حصرًا على المنهجية لصياغة المادة الأولى.
النقاش دار بين مقاربتين:
إما اعتماد صيغة عامّة تقول إن العفو يشمل الجميع مع تعداد الاستثناءات، أو اعتماد صيغة أكثر دقّة ومنطقية تحدّد من يشملهم العفو وما هي الجرائم المشمولة به بشكل واضح ومباشر. وبالتالي، الحديث عن “هزيمة سياسية” أو “اعتراض على المستفيدين” ليس سوى تضليل للرأي العام، لأن التصويت تناول تقنية الصياغة القانونية لا أكثر.
أما في ما يتعلّق بإثارة ملف اللبنانيين الذين لجؤوا إلى إسرائيل في العام 2000، فحاولت “الأخبار” تصوير الأمر وكأنه دفاع عن “عملاء” أو محاولة لتمرير ملفات تجسس، بينما الحقيقة أن ما أُثير داخل اللجنة انطلق من منطق العدالة والمساواة.
إذ طرح بعض النواب ومن بينهم نواب “القوات اللبنانية” قضية فئات لا علاقة لها بأي جرم أمني أو تجسسي، وكان يفترض أن يعودوا إلى لبنان منذ سنوات.
وقد صدر بالفعل القانون الرقم 194 في العام 2011 لتنظيم عودتهم، لكنه بقي حبرًا على ورق بسبب غياب المراسيم التطبيقية. أي أن الدولة اللبنانية هي التي قصّرت، لا هؤلاء الأشخاص.
من هنا، فإن المطالبة بإنصافهم اليوم لا علاقة لها لا بالتعامل ولا بالتجسس ولا بأي مساس بالأمن القومي، بل هي مطالبة بإزالة ظلم مستمرّ منذ العام 2000، أو منذ العام 2011 على الأقل بعد صدور القانون النافذ غير المطبق.
إن ما يزعج البعض ليس مضمون الطرح، بل سقوط خطاب التخوين أمام منطق القانون. فمن يطالب بمحاكمة عادلة أو بتطبيق قانون نافذ أو بإنصاف نساء وأطفال ومهجّرين، لا يطلب “حصّة طائفية”، بل يطلب قيام دولة تحترم نفسها.
في الخلاصة، بدل تحويل كل نقاش قانوني إلى بازار سياسي، كان الأجدى بـ”الأخبار” أن تنقل الوقائع كما هي، نقاش قانوني حول أفضل صياغة، ومطالبة بإنصاف لبنانيين أهملتهم الدولة، لا أكثر ولا أقل، وإنصافهم يأتي من باب إحقاق الحق وتحقيقًا للمساواة مع باقي اللبنانيين الذين سيشملهم قانون العفو العام الذي يُعمل على إقراره.