#dfp #adsense

خاص ـ اقتصاد الهدنة: عندما يترنّح لبنان بين انتعاشٍ موسمي ومخاطرٍ بنيوية (مايا خوري)

حجم الخط

في كل مرة يُعلن فيها تمديد لوقف إطلاق النار، يتنفّس الاقتصاد اللبناني قليلًا. ترتفع مؤشرات الحركة في الأسواق، تتحسّن الحجوزات الفندقية، ويستعيد بعض القطاعات نبضًا افتقده طويلًا. غير أنّ هذا “التحسّن” يبقى هشًّا، مرتبطًا بقرار أمني موقّت، لا بإصلاحٍ اقتصادي أو استقرارٍ سيادي فعلي. وفي ظل طروحات دولية متكرّرة، من بينها ما ارتبط بمواقف دونالد ترامب، يصبح السؤال الاقتصادي ملحًّا: هل يمكن لاقتصادٍ أن يتعافى على وقع هدنة قابلة للانهيار؟

تحسّن ظرفي بلا قاعدة صلبة

الاقتصاد اللبناني، في جوهره، اقتصاد ثقة. وعندما تُمدَّد الهدنة، تُفسَّر كإشارة إيجابية لو كانت مؤقتة فتنشط الأسواق سريعًا. يشهد سعر الصرف بعض الاستقرار النسبي، ترتفع وتيرة الاستهلاك، وتتحسّن حركة التحويلات من الخارج، لا سيما من المغتربين.

لكن هذه المؤشرات تبقى تكتيكية. فالمستثمرون لا يبنون قراراتهم على استقرارٍ هشّ. رأس المال طويل الأمد يبحث عن بيئة قانونية وأمنية واضحة، لا عن “نافذة تهدئة” قد تُغلق في أي لحظة. وهكذا، يبقى الاقتصاد في حالة تذبذب: انتعاش سريع عند إعلان الهدنة، وتراجع مماثل عند أول اهتزاز.

 

السياحة: قطاع على إيقاع الأخبار السياسية والأمنية

إذا كان ثمة قطاع يعكس هذه الديناميكية بوضوح، فهو السياحة. فمع كل تمديد لوقف إطلاق النار، تُفتح نافذة أمل: ارتفاع في نسب إشغال الفنادق، عودة جزئية للسياح العرب، تحسّن في مداخيل المطاعم والخدمات.

إلا أن هذا الانتعاش يبقى مرتبطًا مباشرةً بعامل الأمان. فالسائح يتأثر فورًا بأي توتر، ما يجعل هذا القطاع الأكثر استفادة من الهدنة والأسرع تضررًا عند انهيارها.

 

الصناعة اللبنانية: بين فرصة التصدير ومخاطر التعطيل

على عكس السياحة، تعمل الصناعة اللبنانية ضمن أفق أطول، لكنها ليست أقل تأثرًا بالوضع الأمني. فتمديد الهدنة يوفّر للصناعيين هامشًا من الاستقرار يسمح بـ استمرارية الإنتاج من دون انقطاع، تسهيل التصدير عبر المرافئ والمعابر وإعادة التواصل مع أسواق خارجية كانت مترددة.

لكن هذا الهامش يبقى محدودًا. فالصناعة تحتاج إلى أكثر من هدنة: تحتاج إلى استقرار في الطاقة، وضوح في السياسات الضريبية، وضمانات لوجستية. أي تصعيد مفاجئ قد يؤدي إلى تعطّل سلاسل الإمداد، خسارة أسواق تم استعادتها بشقّ الأنفس وارتفاع كلفة التأمين والشحن.

وهنا، كما في باقي القطاعات، تتحوّل الهدنة إلى عنصر غير كافٍ للنمو، بل مجرّد شرط موقت للاستمرار.

 

هدنة تُنعش… وسلاح يُقيّد

في العمق، لا يمكن فصل الأداء الاقتصادي عن الإطار السياسي والسيادي. فوفق مقاربة سيادية قريبة من طرح “القوات اللبنانية”، يبقى أي تحسّن اقتصادي محدودًا طالما أن القرار الأمني والعسكري ليس محصورًا بالكامل بالدولة، كما ينص الدستور اللبناني ويكرّسه اتفاق الطائف.

هنا، تتحوّل الهدنة إلى عنصر مزدوج التأثير: تمنح الاقتصاد جرعة استقرار مؤقتة، لكنها تُبقي المخاطر البنيوية قائمة.

كما أن استمرار حالة “اللا حرب واللا سلام” يُبقي ذريعة السلاح خارج إطار الدولة قائمة، ما ينعكس مباشرة على ثقة الأسواق، وعلى قرارات الاستثمار والإنتاج.

 

الفرصة الاقتصادية… بين الالتقاط والهدر

على الرغم من هشاشتها، تفتح الهدنة نافذة حقيقية ولو ضيقة أمام الاقتصاد اللبناني. يمكن استثمارها في تنشيط السياحة، دعم الصناعة والتصدير واستعادة جزء من الثقة المالية.

لكن عامل الوقت حاسم. فكل تأخير في تحويل الهدنة إلى استقرار دائم يُضعف أثرها الاقتصادي. والتجربة اللبنانية تُظهر أن الفرص غير المستثمرة تتحوّل بسرعة إلى كلفة إضافية.

اقتصاد الهدنة في لبنان هو اقتصاد انتظار، السياحة تنتعش ثم تتراجع، الصناعة تصمد لكنها لا تتوسّع والاستثمار يراقب من بعيد.

وبين انتعاشٍ موسمي ومخاطرٍ بنيوية، يبقى السؤال: هل تبقى الهدنة مجرّد استراحة اقتصادية قصيرة، أم تتحوّل إلى نقطة انطلاق نحو استقرار فعلي؟

حتى الآن، الجواب مؤجّل بانتظار قرار سيادي يعيد للاقتصاد أسسه، لا مجرد هدنة تؤجّل أزماته.

مايا خوري  ـ نائب رئيس مركز قرطبا في جهاز التنشئة السياسية

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل