
نشاهد أمّهات لا يُقِمنَ اعتبارًا لصلة الرَّحم ولا يقدِّسنَ الأمومة، تراهُنَّ نازحات بين المُدنِ لا ينظُرنَ خلفهنَّ، كي لا تدمع أعيُنهنَّ على دمارٍ قتلَ فلذات أكبادهنَّ. يُجاهرن بتقديم أولادهنَّ فداءً عن وليٍّ لم يضعنَ أعينهّنَ في عينيه لحظةً واحدة، بل تعرّفنَ إليه من خلال شاشة التلفاز. يُقدِّسنَ ذكرَهُ كونه باسم الله يتكلّم بلغةٍ غريبة على مسامعهنَّ، ولا يفقهنَ مفهوم كلماته، لكنّهنَّ يُقدِّمنَ أولادهنَّ كرمى لعينيه كي لا تغضب عليهنَّ الآلهة ويرسلوهنَّ إلى نار جهنّم.
تجنّد أولادهنَّ مرتزقة، طاروا من طهران إلى بغداد مرورًا بالشام وفي النهاية حطّوا رحالهم في الجنوب، سقطوا تحت القصف المدفعيّ أو اغتيالًا وبقيت أسماؤهم مجهولةً لأنّهم في الأساس مكتومي القيد، ولا سجلّات تعرفهم، بيدَ أنَّ أمّهاتهم قدّمنهم ذبائحَ مرضيّة على مذبح الوليّ.
مرتزقة لا ينتمون إلى وطنٍ ولا تحدّهم حدود وطن، بل يسيرون خلف فُقْه الفقيه حيث لا بوصلة في أياديهم، كون وجهتهم حيث تدعو الحاجة، أشرقًا كانت أم غربًا، وأصبحت غايتهم الأولى والأخيرة نصرة الوليّ على أعدائه، حتّى ولو جاء النصر على حساب دمار الأرزاق وهدم منازل الأرامل وأكل خبز الأيتام، فالوليّ أولى من البنين ومن الأرزاق.
تجندوا على اسم الله وقاتلوا أهل دينِهم، ذهبوا إلى ديار قبائلهم وهجّروا أهلها، وها هم يحملون السلاح دفاعًا عن فقيهٍ يرابي ماله فوق مائدة أسواق الشيطان الأكبر. قدّموا حياتهم فداءً عن ملالي لا يفقهون من الدِين سوى أماني، ذهبوا إلى الموت بأرجلهم لأنّ وَهْمَ الجنّة أعمى عيونهم عن دموع الأرامل وعويل الأيتام. المهم من كلّ ذلك ذهبوا إلى الموت في الحقيقة والفعل، أمّا الجنّة فستبقى بعيدة المنال في الحقيقة والفعل!
