
يسود الجمود مسارات التفاوض الإقليمي، حيث تستمر المواقف المتشددة بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار الحصار المتبادل. على الرغم من تقدم القناة اللبنانية – الإسرائيلية بعد جولات في واشنطن، تبقى المفاوضات محكومة بالشروط المتبادلة. وفي “لبنان اليوم”، أُرجئ اللقاء الثلاثي في بعبدا بسبب التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، فضلاً عن تحفظ رئيس مجلس النواب نبيه بري من المشاركة خوفًا من تعرضه لضغوط من البيئة الشيعية.
بموازاة هذا الانسداد، حسم الرئيس جوزيف عون الموقف اللبناني بربط أي تفاوض مباشر بالتنفيذ الإسرائيلي الكامل لوقف إطلاق النار، بانتظار أن تحدد واشنطن ساعة الصفر الدبلوماسية. وأشار أمام وفد الهيئات الاقتصادية إلى أن الملف اللبناني بات على طاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أنها “فرصة علينا الاستفادة منها للعبور ببلدنا إلى شاطئ الأمان والسلام”. وأضاف: “في كل خطوة اتخذتها في ما يتعلق بالمفاوضات كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام”.
أما بشأن الانتقادات القائلة إن لبنان وافق، بموجب البيان الأميركي الصادر في أعقاب المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها، فأوضح عون أن هذا النص ورد في بيان وزارة الخارجية الأميركية، وهو ذاته الذي اعتمد في تشرين الثاني 2024 وحظي حينها بموافقة جميع الأطراف.
“عين التينة” تدخل السجال
هذا الوضوح الرئاسي لم يمرّ دون “اشتباك سياسي” إذ سارع المكتب الإعلامي لبرّي إلى إصدار بيان وصف فيه كلام عون بـ”غير الدقيق إن لم نقل غير ذلك”، وكذلك بالنسبة “لاتفاق تشرين الثاني عام 2024 وموضوع المفاوضات”. وفي توقيت لافت، تقاطع هذا السجال الداخلي مع تلقي برّي اتصالا هاتفيًا من وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي تداولا في خلاله البحث حول آخر تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة.
مقابل هذا التصعيد، أبدت مصادر متابعة، عبر “نداء الوطن”، استغرابها لردّ رئيس المجلس، مشيرة إلى أن جميع من يواكب الاتصالات يدرك أن عون يضع برّي في أجواء التفاصيل كافة، ويُطلعه على الخطوات جميعها؛ إذ إن هناك الكثير من القضايا الكبرى التي يوافق عليها الأخير، وفي قضايا أخرى يفوّضه لاتخاذ ما يراه مناسبًا، ومن النادر أن يعترض. وبناءً عليه، فإن رئيس الجمهورية لا ينفرد بقرارات مصيرية كالتفاوض أو غيره.
وأوضحت المصادر أن عون يحمل همَّ إنقاذ لبنان، مذكّرةً بأنه حين أُقرَ اتفاق 27 تشرين كان قائدًا للجيش لا رئيسًا للجمهورية، وأن بري هو من تولّى المفاوضات آنذاك نيابة عن “الحزب”، وأقرته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الموالية لـ “الثنائي الشيعي”، بوجود بند واضح يكرس حق الدفاع عن النفس، ما يجعل الأمور جلية أمام الرأي العام. وتؤكد المعلومات أن الضغوط الممارسة على الأخير قد تؤدي إلى إرجاء موعد زيارته بعبدا، بينما يواصل عون اتصالاته مع الجانب الأميركي وسفيرة لبنان في واشنطن سعيًا للتهدئة ولجم التوتر”.
في السياق، بدا لافتاً أن واشنطن لم تبادر بعد إلى أي برمجة للخطوات المقبلة المتّصلة بالمسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي، كشفت مصادر معنية لـ”النهار” عن أن الاتصالات المستمرة بعيداً من الأضواء بين بعبدا وعين التينة والسرايا كانت قبل أيام قد رست على قاعدة أساسية لا خلاف حولها ولا تباين، وهي تشدّد لبنان في تنفيذ الإعلان الأميركي نفسه عن وقف النار المجدّد لثلاثة أسابيع، قبل أي انطلاق لمسار المفاوضات، وتالياً، فان التهدئة الميدانية تعتبر أساس البحث بين أركان السلطة في الاستراتيجية التفاوضية التي يفترض أن تتبلور في أسرع وقت، علماً أن معطيات المراجع الرسمية تشير إلى مناخ أميركي إيجابي حيال الضغط للتهدئة الميدانية تسهيلاً لاختراق كبير تعد له واشنطن حال انطلاق المفاوضات المباشرة اللبنانية الإسرائيلية برعاية واشنطن.
ولكن هذا التوافق اليتيم لم يكن كافياً لصعود التباينات الأخرى على سطح العلاقة بين بعبدا وعين التينة مع مبادرة بري مساء أمس، إلى اصدار بيان نفى فيه مباشرة كلاماً لرئيس الجمهورية، في تطور سلبي بلغ حدود “تكذيب” رئيس الجمهورية بما يؤشر إلى تصعيد في موقف بري يُخشى أن يكون ترجمة لمماشاته المفرطة لحملة “الحزب” على الرئاسة الأولى.
في السياق نفسه، قالت مصادر سياسية لـ”اللواء” إن ما سجل من الرد – النفي لرئيس مجلس النواب نبيه بري على كلام رئيس الجمهورية ينم عن استمرار الفتور بين الرئاستين الأولى والثانية، ولفتت الى ان قول رئيس الجمهورية في ما خص حرية تحرك اسرائيل التي وردت في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، فذاك يظهر تحت عنوان الضمانات الأميركية في الإتفاق والتي كانت ظهرت في عدة تقارير.
