Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ خريف “الوكيل الإيراني”: بعبدا تقلب الطاولة (أمين القصيفي)

لم يعد الهجوم المنهجي الذي يشنه “حزب إيران في لبنان” على رئيس الجمهورية جوزيف عون مجرد سجال سياسي عابر، بل هو تعبير عن “ذعر وجودي” يصيب منظومة ارتهنت للخارج طويلاً. فمنذ اللحظة التي أعلنت فيها بعبدا انتقال الدولة من موقع المتفرج أو “الخادم المطيع” لقرارات الميليشيا الإيرانية، إلى موقع المبادرة السيادية عبر التفاوض المباشر مع إسرائيل، سقطت آخر أوراق التين عن مشروع “الوكيل الإيراني”؛ الذي اعتاد اختطاف قرار السلم والحرب ومن ثم الاحتماء بالغطاء الرسمي لتبرير مغامراته.

لقد وضع الرئيس جوزيف عون النقاط على حروف الخيانة الحقيقية، مؤكداً أن من يخون بلده هو من يحوّله إلى “ساحة بريد” ثأرية لأجندات إقليمية غريبة، وليس من يبذل المستحيل لاستعادة السيادة وإنهاء حالة الحرب التي وُرِّطت فيها البلاد رغماً عن إرادة أبنائها.

الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن مبادرة رئيس الجمهورية للتفاوض المباشر كانت “طوق النجاة” الوحيد الذي أوقف مساراً تصاعدياً للمحرقة؛ فلولا هذا التحرك الرسمي الصلب، والضغط الأميركي الذي ولّده باتجاه تل أبيب، لكانت إسرائيل ماضية في توسعها الميداني إلى ما بعد الـ55 بلدة التي تحتلها اليوم، ولربما وصل دمارها إلى قلب الضاحية الجنوبية وبيروت. ولو كان “الحزب الإيراني” يملك ذرةً من “شجاعة الاعتراف بالحقيقة”، لاعترف بالفم الملآن أن هذا المسار التفاوضي يريح ويخدم بيئة “الحزب” قبل غيرها، لكنه يكابر ويواظب على الإنكار لأن موقف الرئيس عون يأتي بمثابة “خشبة خلاص” بعدما انكشف زيف “عنتريات” الميدان التي سقطت سقوطاً مدوياً أمام التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي.

اليوم، “الحزب الإيراني في لبنان” أمام الحقيقة ـ الفضيحة، إذ بات العالم بأسره يدرك أن “سردية المقاومة” عجزت عن منع الاحتلال وهي في أوجّ قوتها، وهي أعجز اليوم عن إخراجه وهي في أضعف حالاتها، مما يجعل الدبلوماسية السيادية القائمة على احتكار الدولة للسلاح هي المسار الوحيد لاستعادة الأرض والأسرى ووقف استباحة الأراضي والأجواء اللبنانية.
إن تركيز “الحزب الإيراني في لبنان” الهجوم على الرئيس عون، ينبع من كون التفاوض المباشر يضرب “الأساس الوجودي” لسلاح هذا “الوكيل الإيراني”؛ ففتح باب الحلول الجدية يُسقط ذريعة وشمّاعة “العدو الأبدي” التي يستند إليها “حزب إيران في لبنان” لتبرير دويلته. والمناورات ومحاولات الالتفاف على الرئيس عون، بحجج واهية ساقطة دستورياً ووطنياً، لن تُجدي.

لقد ولى زمن “الترويكا” والقرارات المشلولة بحجة الإجماع الوطني الوهمي، فالدستور وصلاحيات رئيس الجمهورية وخطاب القسم والقرارات الحكومية والدولية هي المرجعية الوحيدة التي تحكم هذا المسار. الدولة اللبنانية اليوم، مدعومة بإجماع وطني من السراي وبكركي ودار الفتوى، وبغطاء عربي ودولي غير مسبوق، وهي ترفض العودة إلى مربع “التغطية” ومنح الشرعية لقرار الحرب الأحادي الذي يتخذه “فيلق القدس” على حساب أشلاء اللبنانيين.

لقد بلغت الدولة اللبنانية “سن الرشد” السياسي، وهي اليوم تضع حداً نهائياً لمبدأ “المساكنة القسرية” مع السلاح الخارج عن القانون. إن الخيار أمامنا بات شديد الوضوح: إما المضي في تفاوض يحمي ما تبقى من مفهوم الدولة ويفتح الباب أمام الاستقرار والازدهار، أو البقاء ساحة مفتوحة لتصفية حسابات طهران.

إن أي تراجع عن هذا المسار هو انتحار وطني وكسر لهيبة الرئاسة، ولن تسمح بعبدا بتكرار مآسي الماضي التي دفع ثمنها الشعب اللبناني دماً ودماراً. زمن الهيمنة الميليشياوية انتهى بقرار سيادي لا رجعة عنه، واستعادة قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية هو القدر المحتوم؛ الذي سيخرج لبنان من “نفق الوكالة الإيرانية” إلى رحاب الدولة السيدة الحرة المستقلة.

Exit mobile version