سأمرّ، في بداية النصّ، على ما حدَّدته اللّغة لهدر الدّم، وكيف تطوّر مفهومه عبرَ الزّمن. أَهدَرَ الدّم، في اللّغة، يعني أباحَه وسَفَكَه، أو استباحَ حياةَ الآخر من دون مساءلة، وكأنّ هذه الحياة لا حرمةَ لها. قديمًا، اعتبر الشّرع هدرَ الدّم نوعًا من أنواع القصاص، مرتبطًا بدوافع وظروف اعتباطيّة، وكثيرًا لم تكن مبرَّرة. لكنّ هذا الاعتبار لم ينسحب على مجتمعات العالَم القديم برمّتها، فالشّرق القديم اجتاز مرحلة الحياة البدائيّة، الى نوع من التّعايش المنظَّم الذي أدّى، لاحقًا، الى قيام الإمبراطوريّات. أمّا عالَم اليوم، فوقفَ من هذه المسألة موقفَين متناقِضَين : لقد اعتبر فريقٌ أنّ العبور الى عصور التّنوير والدولة والقوانين المدنيّة، قد تجاوزَ هذا الشّكل العشائريّ الجائر، فتأبّطت المجتمعات البشريّة الدّساتير وكتب القانون، وأحالَت إليها البتَّ في خلافات النّاس، أيًّا كان موضوعها. في حين لم يترك الأصوليّون المتزمِّتون، والعشائريّون الرّجعيّون، وقادةُ الأنظمة الشّموليّة، قناعتَهم بأنّ هدر الدّم هو، وحدَه، عقابٌ ” عادِل ” لِمَنْ تُسوِّل له نفسُه الخروج عن الأُصول، أصولِهم التي ابتدعوها ؟؟؟، أدينيّةً كانت أم سياسيّة أم اجتماعيّة أم أخلاقيّة … وأمامَنا، اليوم، أمثلةٌ متراكِمة.
لقد طالعَنا بعضُ الجهابذة المعروفي المَرجَع، منذ مدّةٍ وحتى السّاعة، بتهديداتٍ لاغتيال رؤساء وقياديّين، وذلك، من على الشّاشات، أو المنابر، أو وسائل التّواصل المختلفة. والغريبُ المُستَهجَنُ أنّ التهديدات المُوَثَّقة مرَّت وكأنّ شيئًا لم يكن في ما خصّ المواقف المترتِّبة على مرجعيّات الدولة، والتي كان واجبًا عليها، واستنادًا الى القوانين المرعيّة، اقتياد المهدِّدين الى المحاكم والسّجون، أيًّا يكن موقعُهم. ومن حقِّ النّاس، في هذا الصَّدد، معرفةُ ما إذا كان هذا التصرّف الرّسمي تخاذُلًا، أو تواطؤًا، أو إهمالًا، أو خوفًا، أو أمرًا صادرًا عمّا يُسَمّى الدولة العميقة ؟؟؟.
في مطلق الأحوال، إنّ هدر الدّم ليس سوى الوجه الآخر لعمليّة قتلٍ مُدانَة، وهو جريمةٌ موصوفة تُزهِقُ أرواحًا لم تأتِ ذَنْبًا، فالتّهمةُ المُصطَنَعَة تعودُ الى اختلافٍ في الرأي، أو في الموقف السياسي، ما يدفعُ البعضُ الى الحكم على مَنْ يقترفُ هذا ” الذَّنب ” بإهدار دمه. ويلجأُ هذا “الحاكم الدَّمَوي ” الى تبرير قراره باختلاقِ أسبابٍ مثل الإساءة الى الدِّين، أو التّعامل مع العدوّ، أو التعدّي على الكرامات …
وقد قام جهابذةُ هدر الدّم بالتّرويج لهذا ” القصاص ” الأَعوَر المستَنِد الى القتل، بالتّمهيد الإعلامي، وحملات التّحريض والشّحن، وسَوق الاتّهامات بالخيانة ضدّ رئيس البلاد، ورئيس الحكومة، والقياديّين الذين دعموا موقف الرئيسَين في موضوع المفاوضات مع اسرائيل برعاية أميركيّة، وهي مفاوضات موجِبة لإنهاء حالة التردّي الأمني والتي أوصلَت البلاد الى جهنّم، فِعلًا.
إنّ المسؤوليّة تقع، حتمًا، على الذين يصدرون الأمر الصّريح بالقتل، هؤلاء المصابين بداء الستالينيّة، وبالنزوة الهتلريّة، أو بالذّهان الإجراميّ الذي يُعلِنُ عِلم السيكولوجيا، صراحةً، عن استحالة شفاء المُصابين به.
فإلى أصحاب الهلوسة الدمويّة، مَعصوبي الأبصار والانتباه، أن يكفّوا عن هذه التراجيديا العدائيّة الشرّيرة، والمتلذِّذة بمشاهدة سيول الدّم، وعليهم، إذا ارتكبوا جريمة هدر الدّم، أن يتحسَّسوا رقابَهم، فتاريخُ اغتيالاتهم لن يعود، واستقواؤُهم لن يكون عامل اطمئنانٍ لسلامتهم. فالدولةُ الآتية بمؤسّساتها الفاعلة، تُنذِرُكم بأنّ غصنَ الزّيتون الوديع الذي تحملُه، بإمكانه أن يُنتِجَ زيتَ الشّفاء، أو يتحوّلَ الى سِنٍّ يَفقأُ عَينَ مَنْ يريدُ أن يَقصفَهُ…