لم تكد تمضي ساعات قليلة على الحراك السيادي الواسع الذي شهده قصر بعبدا وصرح بكركي، حتى جاء الميدان الجنوبي فجر اليوم ليؤكد أن مسار “التعمية عن الهزيمة” الذي تنتهجه “الدويلة” قد وصل إلى طريق مسدود، أمام زحف الإنذارات الإسرائيلية التي لم تعد تكتفي بقرى “الخط الأصفر”، بل تمددت ليل أمس وفجر اليوم لتضع عمق النبطية وقضاء الزهراني في “فم التنين”.
فبينما كانت بيانات وتصاريح “الحزب” الخشبية، من الأمين العام الشيخ نعيم قاسم إلى نوابه ومسؤوليه وقيادييه، تحاول تسويق سردية “عدم الحاجة للثبات في الجغرافيا” لتبرير الانسحابات المتتالية، كانت عملياً تُمهّد في الوقت ذاته لآلة التدمير الإسرائيلية التي تواصل سياسة الأرض المحروقة، منفّذة عمليات تفجير ممنهجة لمربعات سكنية كاملة في بنت جبيل وعيترون وعدد من بلدات الجنوب، بالتوازي مع غارات عنيفة طالت فجر اليوم محيط النبطية ومنطقة إقليم التفاح، ما يجعل كلام نعيم قاسم عن “الأداء الأسطوري” مجرد صدى في فراغ النزوح والتهجير والدمار.
مصادر سياسية متابعة، ترى أن هذا الواقع الميداني المرير يمنح المبادرة التي يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون دفعاً استثنائياً، إذ بات واضحاً لغالبية اللبنانيين، أن التأخير في فك الارتباط اللبناني عن الأجندة الإيرانية يرفع كلفة الدمار اليومية التي تجاوزت عتبة الـ 160 مليون دولار، بحسب ما صرّحت عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب ستريدا جعجع إثر لقاء التكتل أمس مع الرئيس عون في بعبدا.
المصادر تلفت، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أنه في وقت يسود فيه صمت مريب أروقة عين التينة، عقب زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى وما سبقها من اشتباك كلامي حول “عنجر وعوكر”، برزت ليل أمس معطيات تشير إلى أن الضغط الدولي يتجه نحو حسم ملف “حصر السلاح” كشرط لا غنى عنه لأي وقف جدي لإطلاق النار، وهو ما تقاطع مع تأكيدات رئيس الحكومة نواف سلام بأن هذا المسار لا تراجع عنه مهما بلغت التحديات.
المصادر تعتبر، أن الهجوم الممنهج والتخويني الذي تعرضت له بكركي، والذي رد عليه النائب غسان حاصباني باسم وفد تكتل الجمهورية القوية الذي زار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أمس الاثنين، بتأكيد أن الصرح سيبقى “وجدان الوطن”، يكشف حجم الإفلاس السياسي لدى جبهة “العرقلة” التي تحاول تغطية انكسارها العسكري في الجنوب بافتعال فتن داخلية وتصويب السهام نحو المرجعيات السيادية.
لكن المشهد اليوم بات أكثر وضوحاً، بحسب المصادر التي توضح أن لبنان بين فكي كماشة، إما الذهاب فوراً خلف مبادرة رئيس الجمهورية لاستعادة السيادة حصراً برعاية دولية تقودها واشنطن، أو البقاء في نفق “حروب الآخرين” التي لم تحصد سوى التهجير المتمدد إلى مناطق كانت تعتبر حصينة أو بعيدة عن دائرة الخطر، لتصبح اليوم تحت رحمة إنذارات الإخلاء التي لا تميّز بين خطوط حمراء أو صفراء، مؤكدة أن الموال الذي يغنيه “الحزب” ليس لبنانياً، بل هو استثمار بدماء اللبنانيين في بازار إيراني ممتد منذ عقود، لكنه بدأ يتهاوى اليوم عند عتبة “بعبدا السيادية” في المرحلة الجديدة.
