“لدى وصول وزير الدخلية مروان شربل الى مكان الانفجار(بئر العبد) استقبله جمهور “الحزب” بالشتائم ورمي الحجارة والقناني والأحذية وبهتاف موحد منسق: “ما بدنا جيش بلبنان الا جيشك يا حسين”…
هذه الحادثة على الرغم من قساوتها ووقاحتها، وعلى الرغم من خروجها عن مألوف مفهوم الدولة ذات السيادة، لم تكن بالخبر الصادم لكثير من المتعودين المتأقلمين والمتعايشين مع مربعات “الحزب” وغيتوهاته في الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني والبقاع، وتحديدًا بعلبك والهرمل وحي الشراونة بشكل خاص، حيث كانت تكال الضربات لهيبة الدولة وأجهزتها ممعنة بالضباط والجنود مهانة وتعديات واستهدافات، ولم يكن الاحتفاء بوزير الحقيبة السيادية مروان شربل في بئر العبد في 9 تموز من العام 2013، الا من ضمن سياق تخلي الدولة أولاً عن دورها ومن ضمن مسار إسقاطها عمدًا وعن سابق إصرار وترصد على يد “الحزب” المتشبث بمشروعه وعقيدته وسلاحه على حساب الدولة والوطن والمواطنين.
وقعنا اليوم وبعد مرور ثلاثة عشرة عامًا على حادثة بئر العبد، على حادثة صادمة في منطقة الكفاءات ـ الضاحية الجنوبية في الثالث من أيار من العام 2026، فأثناء تشييع أربعة من عناصر لـ”الحزب” أطلقت النار والقذائف بكثافة من مسلحين مدججين ملثمين، وقد أوقعت رصاصات وقذائف التشييع إصابات بالمواطنين وأملاكهم وسياراتهم،وعندما حاول الجيش اللبناني التدخل، واجهته مواكب التشييع شاتمة مخونة مهددة مانعة المؤسسة الرسمية الشرعية من القيام بواجبها في حفظ أمن الوطن والمواطنين، لتنسحب آليات للجيش بعدها من دوار الكفاءات تحت هتافات “صهيوني صهيوني جوزيف عون صهيوني”، و”صهيوني صهيوني نواف سلام صهيوني”، تمامًا كما أخلي وزير الداخلية من موقع انفجار بئر العبد قبل عقود على وقع الدعوة الى “جيش الحسين بديلًا من جيش لبنان”.
تكمن الصدمة في الثالث من أيار من العام 2026 التي التقت مع صدمة مماثلة سبقتها قبل أسبوعين في احتفالية ضاهتها كثافةً باطلاق النار والقذائف احتفالًا واحتفاءً بوقف اطلاق النار، أنها خرجت عن السياق المنطقي التي سلكته التطورات والتغييرات والانقلابات والخسارات التي حفل بها العالم ومنطقتنا تحديدًا، من طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول من العام 2023, وإسناده من لبنان في الثامن منه، والتداعيات التي قصمت ظهر المحور الإيراني في غزة وبعدها لبنان، عبر خسارة “الحزب” لقيادييه وكوادره وترسانته وتدمير حاضنته، حجرًا وبشرًا، لتتوج بخسارة السند، وتظهّر طريق الإمداد والتموين والتمويل بسقوط وهروب نظام بشار الأسد في سوريا،وما تلا تلك الخسارات من استهداف لرأس المحور الايراني وعلى دفعتين في حزيران من العام 2025 و28 شباط من العام 2026 وتصفية مسؤولي الصفوف الأولى والثانية والثالثة وتدمير قواته البرية والبحرية والجوية…
كما تكمن الصدمتان أنهما وقعتا بعد اتفاق وقف إطلاق النار التي وقّعته حكومة “الحزب” في السابع والعشرين من تشرين الأول من العام 2024 والذي نص صراحة من مقدمته الى متنه ومواده على نزع سلاح “الحزب” وتفكيك ترسانته ومنظومته العسكرية،وأنهما حصلتا بعد خطاب القسم للرئيس جوزيف عون الذي بشّر اللبنانيين بحصرية السلاح بيد الدولة وحدها، ليتبنى البيان الوزاري والذي محضه “الحزب”، ثقته في ما جاء في خطاب القسم من هذه الناحية، وكأن “الحزب” لم تصدمه قرارات الحكومة في الخامس والسابع من آب من العام 2025 ولم يرتدع من اعتبار الحكومة في 2 آذار من العام 2026 مع وزراء حركة “أمل” نشاطات “الحزب” العسكرية والأمنية خارجة عن القانون ومستحقة العقاب والملاحقة والمحاكمة فالإدانة.
هذا السياق المنطقي تعاكسه تصرفات “الحزب” ومجموعاته المحظورة المسلحة ومسيراته الأهلية المحضّرة، كما تعاكسه الدولة في فلولها العميقة البائدة،وتسامح وتباطوء وعدم جهوزية منظومتها وتركيبتها الحالية الحاضرة، على حزم أمرها ووضع خطاباتها وبياناتها وقراراتها موضع التنفيذ… ولمن ينتظرُ حكمةً أو حسن نية أو إدراكًا وحتى استدراكًا من المحور وحزبه رأفة بما تبقى منه ومن بيئته وناسه وشعبه ووطنه، نحيله الى تشخيص الرب يسوع المسيح في إنجيل متى 16:7 من الكتاب المقدس، للدولة ولـ”الحزب” على السواء بقوله”هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟”

