
كتب الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي عبر منصة “فيسبوك”:
لا يتوقف حق لبنان في التفاوض المباشر مع إسرائيل لتحرير أرضه وسيادته، فقط على تقليد السوابق العربية الثلاث (مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية) وسوريا اليوم، ولا على مبدأ “السلام مقابل الأرض” الذي أقرته القمة العربية في بيروت ٢٠٠٢، بل يتعدّاها إلى حتمية المفاوضات المباشرة كسبيل وحيد لاستعادة حقوقه بعدما ورّطته كل الحروب المتلاحقة على مدى ٥٧ عاماً في مأزقه الراهن.
إنها حتمية تاريخية في انتهاج المسار الدبلوماسي، وليست فقط فرصة سياسية أتاحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبنان. والحتميات التاريخية لا يمكن المناورة معها أو التحايل عليها أو ردّها، خصوصاً أن كل السبل والآفاق الأخرى مسدودة بإحكام، وليس هناك أي يد أخرى تمتد لانتشال وطن الأرز من محنته الدهرية.
وأمام هذا المسار غير المرتدّ، تبدو مسألة اللقاء بين الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بتقريبه أو بتأجيله، مجرّد تفصيل وليست عقدة من شأنها نسف المفاوضات، وليس في المشهد السياسي ما يعني أن الرئيس عون موضوع أمام الخيار الصعب بين وقف المفاوضات أو اللقاء.
والواضح أن العرب، بخليجهم وسائر أقطارهم، يؤيدون انخراط لبنان في مفاوضات إنقاذه، خلافاً لترويج وسائط “الحزب” عن رفضهم أو تحفّظهم، طالما أن إشكالية لقاء عون – نتنياهو قابلة للاستيعاب والمعالجة كي يأتي هذا اللقاء في وقته المناسب.
ولكن، لا شك في أن “الحزب”، وبإسناد إيراني مباشر، يسعى إلى ضرب مسار التفاوض، بدليل استمراره في إطلاق المسيّرات المفخّخة سواء كردّ على الغارات الإسرائيلية أو كافتعال لخرق وقف إطلاق النار، لأن ما يناسبه ويناسب مرجعيته الإيرانية هو الحفاظ على السخونة والتوتر في جنوب لبنان كورقة يتمّ استخدامها في التجاذب الحارّ بين طهران وواشنطن.
كما يناسبهما الاستمرار في حالة الاحتقان الداخلي على حافة الفتنة والصدام، سواء بالتخوين والتهديد للمرجعيات الدينية والسياسية أو بتحريك الشارع عبر إطلاق النار والهتافات الذهبية.
على هاتين الوتيرتين المتوترتين في الجنوب والداخل تراهن إيران ووكيلها لقطع الطريق على مفاوضات إنقاذ لبنان، لكنّ المعطيات العربية والدولية، المعطوفة على تضافر المواقف الداخلية بين المكوّنات، تؤكّد أن هناك إرادات متلاقية ومتقاوية لتفكيك الألغام التي يزرعانها، سواء بتطويق مخططات الفتنة وفلتان السلاح، أو بشلّ القدرات الميدانية منعاً لحرب أقسى وأوسع.
وليس مستبعداً أن تلتقي مواقف الدول الفاعلة على اتخاذ قرار أممي في مجلس الأمن الدولي لتأمين الغطاء لقوة إقليمية دولية تفرض الحل، سواء تحت الفصل السابع، أو عمل عسكري متعدد الجنسيات، بعد تأكيد فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني.
وقد تُصاب طهران وحارة حريك بالخيبة من تأييد الصين وروسيا هذا القرار في مجلس الأمن، في ظل التنسيق المتقدّم بين واشنطن وموسكو وبكين، وما القمة الأميركية الصينية الوشيكة سوى دليل واضح على هذا التنسيق، خصوصاً لجهة “تأميم” مضيق هرمز و”تقنين” النووي الإيراني، و”تقليم” مخالب الأذرع.
في المحصّلة، تتبلور تباعاً الإرادة الدولية الحاسمة في قيادة لبنان إلى برّ الأمان، ولو بعد أثمان إضافية يتسبّب بها فريق الانتحاريين عشّاق الحروب فداءً ل”المرشد” القتيل أو الجريح. فحين “ينفخت” دفّهم يتفرّقون!