#dfp #adsense

في تعميم المنهجيّة القواتيّة

حجم الخط

في دولةٍ تتنازعها الولاءات الضيقة، وتنهش جسدها المحاصصات، وتُثقِل كاهلها الحسابات الفئوية، لا يكفي أن تكون الدولة مركزية في بنيتها الإدارية إذا كانت مفككة في جوهرها السلوكي، ولا يكفي أن تتوافر المؤسسات إذا غاب عنها النهج الذي يحوّلها من هياكل جامدة إلى أدوات فاعلة في خدمة الصالح العام. من هنا، يصبح السؤال الحقيقي في لبنان: كيف يمكن للدولة، ولو بالحد الأدنى، أن تعمل بفعالية، وأن تنتج، وأن تستعيد ثقة الناس؟

الجواب، في جوهره، ليس حزبيًا بقدر ما هو منهجي. فحين يُقال إن المطلوب أن يكون المسؤول “قواتيًا”، فليس المقصود الانتماء الحزبي الضيق أو الاصطفاف التنظيمي المحدود، بل المقصود ذاك النمط السلوكي والإداري القائم على الصرامة في الأداء، والوضوح في الرؤية، والانضباط في الممارسة، والإيمان بأن السلطة ليست غنيمة بل مسؤولية.

القواتي” هنا ليس بطاقة حزبية، بل توصيف لذهنية ترتكز إلى قوة العقيدة، وعمق الإيمان بالدولة، وصلابة الالتزام العملي، ورفض التسويات التي تأتي على حساب الكفاءة أو النزاهة. إنه ذاك النموذج الذي يربط السياسة بالفعل، والشعار بالإنجاز، والموقع العام بالمساءلة.

ولعل التجربة الوزارية في السنوات الماضية قدّمت، بالنسبة لكثيرين، مثالًا واضحًا على هذه المنهجية؛ إذ إن عددًا كبيرًا من الوزراء المحسوبين على هذا النهج، وبينهم من لم يكن أصلاً من الكوادر الحزبية التقليدية، استطاعوا أن يتركوا بصماتٍ إدارية لافتة، وأن يحققوا حضورًا قائمًا على الإنتاجية أكثر من الضجيج، وعلى السمعة الإيجابية أكثر من الشبهات. لم يكن الأمر معجزة سياسية، بل نتيجة مباشرة لأسلوبٍ في الإدارة يقدّم الجدية على الزبائنية، والعمل على الاستعراض.

إن لبنان الذي أنهكته العونية حينًا، وأربكته الحركية حينًا آخر، وأثقلته مشاريع الهيمنة والسلاح الخارج عن الدولة، لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الولاءات التي تضع الجماعة فوق الوطن، بل إلى شخصياتٍ في مراكز القرار يكون هواها الأول الدولة، ومنهجها الحزم، وسلوكها الانضباط، أي إلى مسؤولين يحملون “القواتية” كمنهج أداء لا كتعصب حزبي.

فالبلاد لا تُبنى بالشعارات الفضفاضة، ولا بالتوازنات الموقتة، بل برجال دولة يمتلكون وضوحًا في الانتماء إلى فكرة الدولة نفسها: دولة القانون، والمؤسسات، والمحاسبة، والسيادة. وعندما يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة الصلبة لا المسايرة الرخوة، والالتزام العملي لا الخطاب الشعبوي، يمكن عندها فقط للبنان أن يبدأ بالخروج من دوامة الشلل.

إن الحاجة اللبنانية اليوم ليست إلى استنساخ حزب، بل إلى تعميم منهجية؛ منهجية تعتبر أن الإدارة موقف، وأن النزاهة قرار، وأن الفعالية ليست ترفًا بل شرط بقاء. وحين يصبح في مراكز القرار من يفكر بهذه الروحية، لا بعقلية التبعية لهذا المحور أو ذاك، يمكن للدولة اللبنانية، حتى ضمن مركزيتها المثقلة، أن تعمل… تمهيدًا لدولة لامركزيّة موسّعة !

رامي فغالي ـ منسقية فرنسا في القوات اللبنانية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل