تتسارع فصول الانكشاف الاستراتيجي لـ”الحزب الإيراني” في لبنان مع بزوغ فجر اليوم الأربعاء، لتتحول الوقائع الميدانية والسياسية الصادمة التي كرستها معادلات الساعات الماضية إلى محاكمة علنية لخطيئة التوريط؛ التي دفع ثمنها لبنان واللبنانيون والبيئة الشيعية تحديداً من دمائهم ودمار قراهم لصالح الأجندة الإيرانية، إذ لم تكد تمضي ساعات على الخطاب المنفصل عن الواقع لنعيم قاسم، حتى جاء الرد العسكري والسياسي مدوياً ليفضح حجم الانهيار!.
المدرعات الإسرائيلية ثبَّتَت تموضعها شمال نهر الليطاني في “زوطر الشرقية”، مواصلةً عملياتها الهندسية لتكريس أمر واقع عسكري جديد أسقط تاريخياً أسطورة الردع ووعود المنازلة الجوفاء التي ادّعتها “ميليشيا الأوهام” طوال سنوات.
وتعتبر مصادر سياسية متابعة، أن هذا السقوط الجغرافي المريع، المتزامن مع تصفية أكثر من 350 عنصراً من كوادر “الحزب” وتدمير 1100 هدف استراتيجي منذ بدء “تفاهم وقف إطلاق النار”، لا يمكن مقاربته من زاوية أنه انكسار عسكري عادي على الجبهة، بل تحول إلى زلزال بنيوي واجتماعي هزَّ أركان الدويلة التي باتت تعيش مأزقاً وجودياً غير مسبوق، ويتزامن مع ما نتابعه من تجرّؤ عائلات شيعية عدة في عمق “البيئة الحاضنة” على رفض لف جثامين أبنائها بالأعلام الحزبية، في صرخة تمرد علنية تعلن عن غضب غير مسبوق مع “بزنس الموت” والارتهان لـ”فيلق القدس”، نظراً لرمزية هذا الرفض.
المصادر ترى، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذا الانفجار الداخلي والنزيف الميداني المتدفق يضع قيادة “الحزب” في حالة ذعر حقيقي من مفهوم “السلام المستدام”، حيث لم يجد “الحزب” رداً على تسونامي الاعتراض الأهلي المتعاظم داخل بيئته، سوى إطلاق جيوشه الإلكترونية لشن حملات تخوين مسعورة ضد أبناء جلدته، خوفاً من اللحظة التي تضع فيها الحرب أوزارها وتبدأ فيها المحاسبة الشعبية والوطنية على الدماء التي سُفكت والـ68 قرية التي احتُلت وهُدّمت، فيما النزف مستمر والخوف من احتلال أوسع وموت أعمّ ودمار أفظع.
وتشير المصادر في سياق متصل، إلى أنه في مقابل هذا التخبط والهروب المليشياوي إلى الأمام، تبدو الدولة اللبنانية اليوم وهي تتأهب للمغادرة إلى مفاوضات واشنطن يومي الخميس والجمعة “أكثر صلابة وتمسكاً بالقرار السيادي”؛ إذ ترجمت بعبدا والسرايا هذا المناخ بـ”فيتو رئاسي” قاطع حاصر “عنتريات” نعيم قاسم بشأن رفض العودة لما قبل الثاني من آذار، حيث أبلغت المراجع الرسمية اللبنانية السفير الأميركي ميشال عيسى بوضوح أن التفاوض يهدف بالدرجة الأولى إلى معالجة الخطيئة الاستراتيجية التي ارتكبها “الحزب” وتأمين الانسحاب الإسرائيلي الشامل وبسط الشرعية.
وتلفت، إلى أن هذا الموقف الرسمي الصلب لرئيسَي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، يتكامل مع حصار دبلوماسي دولي أطبق خناقه على طهران وأدواتها المحلية من قلب الفاتيكان؛ إذ جاء اللقاء الحاسم بين الكاردينال بيترو بارولين ووزير الخارجية يوسف رجي، ليمنح الشرعية اللبنانية “غطاءً كبيراً ومؤثراً” له وزنه على المستوى الدولي الذي لا لبس فيه، عبر تشديد الكرسي الرسولي على حتمية بسط سلطة الدولة اللبنانية وتكريس حصرية السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بيد الجيش اللبناني وفق الدستور والمقررات الدولية.
وعليه، ترى المصادر أن لبنان اليوم، وهو يخطو نحو عاصمة القرار الأميركي محميّاً بضمانات دولية ومظلة روحيّة ومعنوية ودبلوماسية تاريخية مؤثرة، يكتب السطر الأخير في كتاب المتاجرة بدماء أبنائه؛ فالجغرافيا الصارخة شمال الليطاني والتصدع المعنوي والاجتماعي في بنية الميليشيا الخارجة عن القانون، يؤكدان أن زمن “الساحة” المفتوحة لرسائل طهران قد ولّى إلى غير رجعة، وأن الجمهورية المتألمة قررت انتزاع سيادتها الناجزة ومحاصرة “ميليشيا الأوهام” في خنادق أوهامها الخشبية التي تحطمت فوق صخرة الحقيقة الوطنية.

